"مسار الأرز" الروسي.. ما مدى ارتباطه بالحرب في أفغانستان في سوريا؟

الخميس 09-09-2021 | PM 07:17 RUSSIA

حسين جمو

لم تلتفت سوى قلّة من المتابعين لمسارات التجارة العالمية إلى الرؤية الروسية المتمثلة في "مسار الأرز السيبيري" على مدار الأعوام الماضية. روسيا نفسها لم تسوّق للمشروع بسبب تضاؤل فرص نجاحها في ظل محورية قناة السويس في التجارة العالمية، إلى جانب أن الأضواء مسلطة، منذ العام 2013، وبشكل تصاعدي، على المسار الصيني العالمي في التجارة، ويعرف بـ"الحزام والطريق" أو طريق الحرير الجديد.

بقي  "مسار الأرز" متداولاً على مستوى منخفض لدى المسؤولين الروس، وكانت حتى أزمة تعطل قناة السويس بسبب السفينة "إيفر غرين" في مارس 2021، مساراً معزولاً، فمنحت أزمة السويس التي لم تستغرق سوى بضعة أيام، دفعة دولية للمشروع الروسي.

في نيسان/ أبريل الماضي، أي بعد أسابيع من تعطل الملاحة في السويس، أعرب الملياردير الروسي، أوليغ ديريباسكا، عن أمله في أن تقوم شركة السكك الحديدية الروسية، التي تديرها الدولة، بإلقاء نظرة جديدة على خدمات النقل في البلاد في ضوء الحدث الكارثي على أحد أهم الممرات المائية في العالم. وبحسب رجل الأعمال، فإن لدى روسيا عدة مشاريع يمكن أن تصبح بسهولة بديلاً مناسبًا للقناة المصرية، وأهمها تطوير سكة الحديد العابرة لسيبيريا، التي تربط موسكو بالشرق الأقصى الروسي. في فترة ذروة أزمة وباء كورونا التي عرقلت التوريد العالمي بصورة مرنة، استفادت روسيا من سكة حديد سيبيريا "مسار الأرز". فقد ضاعفت الصين البضائع المنقولة بالسكك الحديدية عبر روسيا وآسيا في الشهرين الأولين من 2020، حيث أجبر ارتفاع الأسعار والتسليم البحري الطويل بكين على زيادة النقل بالسكك الحديدية.

استناداً إلى الملياردير الروسي، فإن لدى روسيا عدة مشاريع يمكن أن تصبح بسهولة بديلاً مناسبًا للقناة المصرية، وأهمها تطوير سكة الحديد العابرة لسيبيريا، التي تربط موسكو بالشرق الأقصى الروسي.

لكن رجل الأعمال الروسي كان يرسم لمستقبل أكثر طموحاً، وهو تغيير مسار المشروع الصيني (الحزام والطريق) كلياً، ليكون مسار النقل البري عبر روسيا إلى أوروبا، واقترح ديريباسكا ذلك بأسلوب تنافسي، أي إعادة بناء خط السكك الحديدية الرئيسي، "طريق الأرز السيبيري"، ليصبح بديلاً تنافسيًا لـ"طريق الحرير" الصيني الجديد الذي يربط آسيا الوسطى بأوروبا الشرقية والشرق الأوسط.

3 عوامل داعمة

غير أن المفاجأة جاءت من وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، في 7 سبتمبر/أيلول 2020، حين أعرب عن تأييده لمبادرة إنشاء "مسار الأرز" الذي من المخطط أن يمتد عبر منطقة سيبيريا ليصبح بديلاً لطريق الحرير الصيني وقناة السويس المصرية. في السابق طرح الملياردير الروسي "مسار الأرز" كممر منافس، أما شويغو فطرحه كبديل عن السويس وطريق الحرير. وليس خفياً أن مثل هذا الطموح يتطلب إعداداً جيوسياسياً مسبقاً، وهو ما يتقاطع مع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا. ففي مقابلة أجرتها قناة (روسيا اليوم) الناطقة باللغة العربية مع وزير الدفاع الروسي الذي أوضح فيها: "كانت سيبيريا منذ زمن طويل جزءا من طريق الحرير الكبير... يجب إنشاء مسار الأرز الحديث ليكون طريقا آمنا وفعالا بين أوروبا والصين". وأضاف شويغو: " تبلورت ضرورة إنشاء مثل هذا الممر الآمن للنقل بشكل واضح منذ فترة طويلة، وخاصة عند استذكار الأحداث الأخيرة المتعلقة بانسداد قناة السويس وهجمات القراصنة وكذلك الأوضاع الراهنة في أفغانستان".

ما يمكن استنتاجه مبدئياً أن الرؤية الروسية مبنية على عوامل عديدة، أولاً: عدم انسيابية النقل عبر قناة السويس، وهو أمر تدعمه حادثة "إيفر غرين". ثانياً، عدم استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط واستمرار بؤر الحروب والتوترات في كل من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وإسرائيل، وهي دول على تماس مباشر أو غير مباشر، مع المسار الصيني المعلن. والاستنتاج المنطقي للعامل الثاني، أن استقرار الأوضاع في هذه المنطقة لن يكون في صالح الرؤية الروسية بخصوص الطموح الذي وصفه شويغو بأنه "فرصة للاندماج في شبكات الإنتاج العالمية بين أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ". ثالثاً، انهيار الحكومة الأفغانية وسيطرة طالبان على البلاد.

فعلياً، هذه التحديات الثلاثة ورقة داعمة بقوة لـ"مسار الأرز"، وفي الوقت نفسه تمثل الصراعات المتفجرة على المسار "النظري" للطريق الصيني عائقاً كبيراً قد تدفع بكين إلى إعادة نظر شاملة في ظل تراجع التدفقات المالية في الآونة الأخيرة، والتفكير في البديل الروسي كخيار متاح ووحيد في الوقت الحالي.

يعد مشروع تحديث وتوسيع خطوط السكك الحديدية التي تصل إلى موانئ الشرق الأقصى في روسيا جزءًا من حملة أوسع لجعل الدولة من بين آخر مكانة في صادرات الوقود الأحفوري، حيث تتحول البلدان الأخرى إلى بدائل أكثر مراعاة للبيئة. وكما تقول مادينا خروستاليفا، المحللة الاقتصادية المقيمة في لندن، لوكالة بلومبرغ: "تحاول روسيا تحويل احتياطاتها من الفحم إلى نقود بالسرعة الكافية بحيث يساهم الفحم في الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من أن يظل عالقًا في الأرض".

وبنظرة تجارية بحتة، الأرجح أن يتجاوز الأوروبيون النظرة السياسية لروسيا بحسابات تجارية واضحة عندما يرون كافة السلع من شرق آسيا تصل إلى وجهتها الأوروبية بعد 18 يومًا بالقطار، بدلاً من 6 أسابيع عن طريق البحر.

لكن قد تصطدم شهية القطاعات الأوروبية الساعية للربح السريع بسياسات "الاقتصاد الأخضر" ذات المعايير الصارمة لحماية المناخ والبيئة. فبينما تضع الحكومات الأوروبية خططًا للتخلص التدريجي من الفحم، ويتم إغلاق محطات الطاقة الأمريكية التي تعمل بالفحم مع انخفاض أسعار الطاقة النظيفة، تنفق روسيا أكثر من 10 مليارات دولار على ترقيات السكك الحديدية التي ستساعد في تعزيز صادرات السلع الأساسية، وسيكون الوقود الأحفوري من السلع الأساسية في هذا الانتقال القاري التجاري من سيبيريا إلى الأسواق العالمية، ومنها الأوروبية. 

لكن موسكو ليست منفصلة تماماً عن الواقع العلمي، وتراهن على أن استهلاك الفحم والوقود الأحفوري، على أنواعه، سيستمر في الارتفاع في الأسواق الآسيوية الكبيرة مثل الصين حتى مع تلاشيه في أماكن أخرى.

 الشرق الأوسط و"سيبيريا"

يراهن بوتين على أن الحدود البرية لبلاده مع الصين والعلاقات الجيدة مع الرئيس شي جين بينغ تجعلها مرشحًا طبيعيًا للهيمنة على الصادرات إلى الدولة التي تستهلك أكثر من نصف الفحم في العالم. وما يجعل رؤية بوتين أقرب إلى التحقق، أن أستراليا، المصدر الأول للفحم حاليًا، تواجه قيودًا تجارية من الصين وسط نزاع دبلوماسي حول منشأ فيروس كورونا والتوترات في بحر الصين الجنوبي، حيث تعد أستراليا من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في صراع الهيمنة على النفوذ في المحيط الهادي.

التحديث الأساسي للسكك الحديدية ينصب على "مسار الأرز"، تكلفته تصل (9.8 مليار دولار)، وهما خطان تاريخياً يتحدان في نقطة، الأول الخط الرئيسي العابر لسيبيريا في العهد القيصري، وخط "بايكال-أمور" السوفييتي الذي يربط غرب روسيا بالمحيط الهادئ. 

بالعودة إلى تصريحات وزير الدفاع الروسي، فإن العديد من العوائق الاستراتيجية تعترض سبيل الرؤية الروسية في جعل "مسار الأرز السيبيري" قلب التجارة العالمية العابرة للقارات. أبرز العوائق هو أنه مسار منافس لـ"الحزام والطريق"، بل بات يتم الحديث عنه كبديل، وليس مسار موازي أو فرعي كما ترغب بكين. يضاف إلى ذلك أن بكين قطعت شوطاً في ثلاثة محطات من "الحزام والطريق"، وتحديداً الممر الباكستاني، ومحطة الحاويات في ماليزيا، وميناء هامبانتوتا في سريلانكا. أما الجزء المتعلق بالشرق الأوسط، فإن الرؤية الصينية معطّلة كلياً إلى الوقت الحالي، وهناك نشاط صيني على جانبي أفريقيا على شكل استحواذات على موانئ واحتكار لتطوير البنى التحتية في العديد من دول القارة الأفريقية.

فضلاً عن ذلك، يستدعي الطموح الروسي حرمان دول حليفة لها في منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا، من عوائد تحديث البنية التحتية أو أعادة الإعمار، ويأتي في المقدمة إيران، التي وقعت اتفاقاً استراتيجياً مع الصين لمدة 25 سنة، وتنتظر فرصتها لتحقيق مشروعها المؤجل منذ عام 1989 حين أطلق هاشمي رفسنجاني عبارته (قلب طريق الحرير) لإعادة ربط إيران بالتجارة العالمية. إلى جانب إيران هناك سوريا التي ترزح تحت وطأة حرب مدمرة منذ عام 2011 وكانت الكيانات السورية المتعددة تتطلع، كل من زاويتها، إلى أن تكون ذات أهمية في الخرائط العالمية، لاستدامة الوضع القائم، أو ضمان دعم ذو طابع تجاري دولي، قبل أن تتفكك جميعاً بطريقة يستحيل معها جعل سوريا محطة في الخريطة العالمية. 

إن العوائق والتأثيرات الجانبية على حلفاء روسيا وتوابعها، واضطراب الشرق الأوسط، والتوترات الناجمة عن سيطرة طالبان على أفغانستان، تبقى ورقة رابحة للقطار السيبيري.