سلافوي جيجك: الحداثة مشروع غير مكتمل وحركة طالبان برهان على ذلك

الأربعاء 08-09-2021 | PM 04:29 turkey

سلافوي جيجك

يعارض اليمين الشعبوي الأمريكي أو الأوروبي بشدة الأصولية الإسلامية التي يرى فيها التهديد الرئيسي للحضارة المسيحية الغربية. زاعماً أنّ أوروبا على وشك أن تصبح "أوروبستان". بالنسبة للشعبويين الأوروبيين والأمريكيين، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان هو الإذلال النهائي للولايات المتحدة. ومع ذلك، حدث شيء جديد في الآونة الأخيرة.

وفق لتحليل أجرته حديثاً مؤسسة "Site Intelligence Group"، وهي منظمة أمريكية غير حكومية تتعقب نشاط المنظمات المتعصبة للعرق الأبيض والجهاديين عبر شبكة النت، فإن بعض الناس " يشيدون باستيلاء طالبان على السلطة باعتباره درساً في حب الوطن والحرية والدين".

ووجدت ذات المؤسسة، كما كتبت قناة CNN على موقعها الكتروني أيضاً أن " النازيين الجدد والمندفعين العنيفين والذين يأملون في إثارة ما يرون أنه حرب عرقية حتمية، والتي من شأنها أن تؤدي إلى دولة للبيض فقط في أمريكا الشمالية وأوروبا، يشيدون بحركة طالبان نظراً أنها تشدد على معاداة السامية، ورهاب المثلية الجنسية، والقيود الشديدة على حرية المرأة ".

واستشهدت المجموعة على سبيل المثال، باقتباس مأخوذ من حساب ناشط يدعي"Proud Boy" والذي كتب على قناة تروج للدعاية النازية الجديدة على تلغرام:" هؤلاء المزارعون والرجال الذين كانوا يفتقرون إلى أدنى شروط التدريب العسكري، حاربوا من أجل استعادة أمتهم من قبضة مبشرين للعولمة المهيمنة(Globohomo). لقد استعادوا حكومتهم، وأقاموا دينهم القومي كقانون، وأعدموا المعارضين ... إذا كان لدى الرجال البيض في الغرب نفس الشجاعة مثل طالبان، فلن يحكمنا اليهود حالياً".

وقد أوضح نفس الموقع أن كلمة "Globohomo " هي كلمة ازدرائية تستخدم لإهانة "العولمة"، وهو المصطلح الذي يستخدمه مروجي نظرية المؤامرة لوصف عدوهم (النخبة العالمية الشريرة التي تسيطر على وسائل الإعلام والتمويل والنظام السياسي.. وما إلى ذلك).

الشعبويون اليمينيون الأمريكيون الذين يتعاطفون مع طالبان باتوا متطرفين أكثر مما يتخيلون، إذ ما نراه في أفغانستان هو بالضبط ما يريده اليمين المتطرف في الغرب، وقد تم تنقيته إلى نسخته المتطرفة. وتكمن السمات المشتركة بين الجانبين في أن كلاهما يعارضان العولمة من خلال النخبة العالمية الجديدة التي تنشر الثقافة الجنسية المثلية والقيم متعددة الثقافات والتي بدورها تعمل على تآكل أسلوب الحياة الراسخ للمجتمعات المحلية.

تبعاً لذلك، تصبح المعارضة بين اليمين الشعبوي والأصوليين المسلمين ضئيلة جداً، إذ بالمقدور الشعبويون أن يتكيفوا بسهولة مع أساليب الحياة المختلفة، ليس فقط مع المسلمين، ولكن أيضاً مع اليهود شريطة لزموا جميعاً المسافة المرسومة. هذا هو السبب في أن اليمين الجديد معاد للسامية ومؤيد للصهيونية في نفس الوقت، بحيث يكون شعارهم "لا" لليهود الذين يريدون البقاء والاندماج في أوطاننا، ولكن "نعم" لليهود الذين يعودون إلى أرضهم، أو مثلما كتب راينهارد هايدريش، العقل المدبر للهولوكوست، في عام 1935: " يجب أن نقسم اليهود إلى فئتين، الصهاينة وأنصار الاندماج. يصرح الصهاينة بمفهوم عنصري بحت، ومن خلال الهجرة إلى فلسطين، يساعدون في بناء دولتهم اليهودية والتي تتماشى مع رغباتنا الطيبة ونوايانا الرسمية معهم".

وأكثر ما يثير الدهشة، هو أن بعض اليساريين، بطريقة محدودة، يتشاركون في وجهة نظر مماثلة، على الرغم من أنهم يأسفون لمصير النساء في ظل حكم طالبان، إلاّ أنهم مع ذلك يعتبرون انسحاب الولايات المتحدة بمثابة هزيمة كبرى للاستعمار الجديد الرأسمالي العالمي ومن القوى الغربية التي تحاول فرض مفاهيمها عن الحرية والديمقراطية على الآخرين. لا يقتصر هذا التقارب على المواقف تجاه طالبان فقط، فنجده أيضاً بين أولئك الذين يعارضون التطعيم والأنظمة الاجتماعية كإجراءات ضد جائحة Covid-19.

وأضافت التقارير الأخيرة حول برمجة التجسس الإسرائيلي " بيغاسوس " مؤشر إضافي لعدم ثقتنا العامة في الطريقة التي يتم التحكم بنا اجتماعياً، ويمكن أن تساعدنا في فهم سبب مقاومة العديد منا للتطعيم. إذا تم التحكم في جميع البيانات الموجودة على أجهزتنا الإلكترونية وجميع أنشطتنا الاجتماعية، يبدو أن جزء من داخل أجسادنا هو آخر جزيرة تمكنت من الهروب من هذا التحكم. ومع ذلك، يبدو أن أجهزة الدولة والشركات تغزو من خلال عملية التطعيم حتى هذه الجزيرة الأخيرة التي نشعر معها بالدفء العاطفي الحر. قد نقول بالتالي إن مقاومة التطعيم هي الثمن الخاطئ الذي ندفعه لتعرضنا كضحايا لبرمجة على شاكلة تجسس بيغاسوس. وبما أن العلم يستخدم على نطاق واسع لتبرير الإجراءات واللقاحات على إنه إنجاز علمي عظيم، فإن المقاومة تجاه التطعيم ترتكز أيضاً على الشك في أن العلم يخدم السيطرة الاجتماعية والتلاعب.

معطوف على ذلك، نشهد مؤخراً تدهوراً تدريجياً في سلطة ما أسماه جاك لاكان "الآخر الكبير"( المساحة المشتركة للقيم التي يمكن أن تزدهر فيها فقط اختلافاتنا وهوياتنا) - وهي ظاهرة غالباً ما توصف خطأً بأنها "حقبة ما بعد الحقيقة".

إن المقاومة الليبرالية ضد التطعيم لصالح حقوق الإنسان تجعل المرء يشعر بالحنين إلى الاشتراكية الديمقراطية اللينينية (نقاش ديمقراطي حر، ولكن بمجرد اتخاذ قرار، يجب على الجميع أن يطيعه). ينبغي على المرء أن يقرأ هذه الاشتراكية الديمقراطية من خلال صيغة التنوير لإيمانويل كانط والتي لا تعني بأن " لا تطيع، وفكر بحرية!" ولكن تؤكد " فكر بحرية، وقل أفكارك علناً، ومن ثم أطيع!". الأمر نفسه ينطبق على المشككين في اللقاح: ناقشوا، انشروا شكوككم، لكن اطيعوا اللوائح بمجرد أن تفرضها السلطة العامة. بدون هذا الإجماع العملي، سوف ننجرف ببطء إلى مجتمع يتألف من قبائل متناحرة.

ربما يكون الخلاف الأعمق الذي نتعامل معه هنا هو الصدع بين صورة الواقع الذي يقدمها العلم والحس الفطري الطبيعي، طريقة الحياة الطبيعية التي اعتدنا عليها، بما في ذلك جميع البديهيات الخاصة بكيفية عمل حياتنا، فهي تنصب لصالح  رافضي اللقاح. إنهم ببساطة لا يستطيعون قبول أن المشاكل التي نواجهها الآن - الوباء والاحتباس الحراري والاضطراب الاجتماعي- ستؤدي إلى تدمير نهاية أسلوب حياتنا. غالباً ما يزعم الأشخاص الذين يحتاجون إلى غسيل الكلى المنتظم للبقاء على قيد الحياة أن أكثر شيء مؤلم بالنسبة لهم هو قبول أن بقاءهم على قيد الحياة يعتمد على هذه الفرضية: هناك آلة كبيرة هناك، أمامي، ويعتمد أدائي الجسدي على استخدامه بطريقة مرنة ومنظمة. يواجهنا احتمال التلقيح نفس التجربة المحطمة: فبقائي يتوقف على نجاح وخز التلقيح بشكل متكرر.

ما يشترك فيه اليمين الشعبوي واليسار الليبرالي هو عدم الثقة في كامل مساحة السلطات العامة: أنظمة الشرطة، ومراقبة الرعاية الصحية واللوائح التي تدعمها المؤسسات الطبية والصيدلانية والشركات الكبرى والبنوك. يريدون مقاومة هذا الضغط للحفاظ على مساحة من الحرية.

ينبغي على اليسار - إذا كان لا يزال يستحق هذا الاسم - أن يخطو خطوة إلى الأمام هنا: لا يكفي مقاومة المؤسسات القائمة من خلال الدفاع عن بعض الأنماط الأصيلة من وجودنا: يجب على المرء أيضاً تعبئة منهجية "نقد النقد" وفحص الموقف النقدي الذي يزعم بأنه يتبنى الأصالة ويلزم الدفاع من أجله. من السهل أن ندرك أن المقاومة الشعبوية للتلقيح في الولايات المتحدة تعمل دفاعاً عن "طريقة الحياة الأمريكية" بفردانيتها المتفشية وحمل السلاح في الأماكن العامة والعنصرية.. وإلخ.

إن الرؤية اليسارية التي تدعم مزاعم المتشككين في اللقاحات، تقتصر على قاعدة الديمقراطية المباشرة للمجموعات الصغيرة التي تريد أن تعيش في مجتمع شفاف غير مغترب عن مركز القوة. إن الطبيعة الإشكالية لرؤية طالبان تذهب من تلقاء نفسها. ومن ثم فإن المفارقة، هي أنه لهزيمة التهديد الخارجي (للهيمنة العالمية)، يجب على المرء أن يبدأ بالتضحية بجوهر ما نشعر أنه مهدد.

يجب أن نتعلم أن نثق بالعلم. فقط بمساعدة العلم يمكننا التغلب على مشاكلنا، على الرغم أن العلم نفسه الذي يخدم القوة يسبب هذه المشاكل إلى جانب أمور أخرى. ينبغي أن نتعلم أن نثق بالسلطة العامة: مثل هذه السلطة فقط هي التي تجعل من الممكن مواجهة مخاطر مثل الأوبئة والكوارث البيئية عن طريق فرض التدابير اللازمة. يجب أن نتعلم أن نثق في "الآخر الكبير" المساحة المشتركة للقيم الأساسية، بدونها لا يمكن أن يكون هناك تضامن.

لسنا بحاجة إلى الحرية لنكون مختلفين، نحن بحاجة إلى الحرية في اختيار كيف نكون متماثلين بطريقة جديدة. وربما الأكثر صعوبة، يجب أن نكون مستعدين للتخلي عن العديد من المعتقدات والممارسات المنطقية التي تشكل طريقة حياتنا.

أن تكون محافظًا حقًا اليوم، وأن تناضل من أجل ما يستحق الادخار في تقاليدنا، يعني الانخراط في تغيير جذري. لقد اكتسب الشعار المحافظ القديم "بعض الأشياء يجب أن تتغير حتى يظل كل شيء على حاله" وزناً جديداً اليوم: يجب أن تتغير أشياء كثيرة بشكل جذري حتى نبقى بشرًا. ما تفعله طالبان واليمين المتطرف الغربي لا يمكن أن ينتهي إلا بالمجتمع الذي يتجاوز حياته الانانية الاعتيادية" حقيقة ما بعد إنساني".

النقد الذي نسمعه مراراً وتكراراً هو أن الغرب فشل في أفغانستان لأنه حاول تطبيق فكرته الخاصة عن الديمقراطية والحرية، متجاهلاً الظروف والتقاليد المحلية المحددة. ومع ذلك، عند إلقاء نظرة فاحصة، يمكن للمرء أن يرى أن الغرب كان يحاول تحديداً إقامة روابط مع التشكيلات المحلية - وكانت النتيجة اتفاقيات مع أمراء الحرب المحليين وما إلى ذلك.

لا يمكن أن تكون النتيجة طويلة المدى لمثل هذه المحاولات سوى مزيج من الرأسمالية العالمية والقومية المحلية، كما نراها في تركيا - فلا عجب أن تتمتع طالبان بعلاقات جيدة مع الحكومة التركية. لم تنال أفغانستان من الحداثة كثيراً، وغالباً أخذت منها تلك الجوانب السلبية من حداثتنا، وذلك منذ الاحتلال السوفيتي. وكما قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس منذ عقود، فإن الحداثة مشروع غير مكتمل، وحركة طالبان برهان على ذلك.

المصدر: موقع روسيا اليوم باللغة الانكليزية

ترجمة: المركز الكردي للدراسات