كيف ستؤثر عودة طالبان على الحركات الجهادية في تركيا وسوريا؟

الأحد 05-09-2021 | PM 04:20 turkey

متين جوركان

أثار استيلاء طالبان على أفغانستان أسئلة معقدة حول مستقبل الحركات السلفية الجهادية بالمنطقة، لا سيما في تركيا وسوريا، حيث تم إحتواء التهديد هذه الجماعات بشكل كبير مؤخراً. وسيعتمد احتمال تصاعد المخاطر في المستقبل إلى حد كبير على كيفية تشكيل طالبان لعلاقتها مع الجماعات الجهادية في أفغانستان.

ففي تركيا رحب الإسلاميون من مختلف الفئات بإنتصار طالبان، رغم إن البعض منهم أضطر على ما يبدو للتخفيف من حجم الغبطة.

وقال صحفي لموقع المونيتور وفضل عدم الإفصاح عن هويته والذي كانت تربطه صلات وثيقة مع الجماعات المتعاطفة مع تنظيم الدولة الإسلامية، إن الجماعات السلفية في تركيا أشادت باستيلاء طالبان على السلطة، بيد أن بعضها كانت حذرة للغاية من السلطات التركية بحيث لا يمكنهم إظهار غبطتهم " بهذا النصر" علانية وبشكل كبير. فيما بقيت جماعة قونية، التي تربطها علاقات وثيقة مع طالبان، على وجه الخصوص، أهدأ مما كان متوقعاً. تحظى جماعة قونية بعلاقة وطيدة مع طالبان منذ أواخر التسعينات. لقد قدموا المقاتلين والدعم المالي والسياسي لطالبان حتى عام 2010 . وأضاف الصحفي أن "الجماعات الأخرى الصغيرة والضعيفة الموالية للقاعدة، وخاصة المجموعة التي تتخذ من مدينة وان مقراً لها، كانت أكثر ابتهاجاً من تلك الموجودة في قونية، على الرغم من أنها لم تكن لها صلات مباشرة مع طالبان".

كما أشاد البعض في وسائل الإعلام الموالية للحكومة بإنتصار طالبان. ففي الأول من شهر سبتمبر/أيلول كتب تامر كوركماز، وهو محرر في صحيفة "يني شفق" الإسلامية : " لقد انتهى إحتلال أفغانستان الذي دام 20 عاماً مساء أمس بانسحاب آخر الجنود الأمريكيين. عفواً، أيها الإرهابيين، لقد أنهار الطاغوت الأمريكي الغربي. وبدأت مرحلة جديدة، وسوف تنهار العديد من الأصنام الغربية في جميع أنحاء العالم واحدة تلو الأخرى في السنوات القادمة".

كما حظيت حركة طالبان بالدعم من جهة غير متوقعة، وتحديداً من قبل أتراك علمانيون لكنهم معادون بشدة لأمريكا نظراً أنهم يصنفون أنفسهم بأنهم مناهضون للإمبريالية. ويأتي على رأسهم، دوغو برينجك، رئيس الحزب الوطني اليساري، وهو حزب صغير يعادي الولايات المتحدة ويناصر مجموعة أورواسيا، ويدعي أن له تأثير كبير على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان في السنوات الأخيرة – حيث شبهت جماعته إنتصار طالبان بحرب التحرير التركية بعد الحرب العالمية الأولى، ورأت أيضاً بأنه لم يكن أمام المجتمع الدولي خيار سوى الإعتراف بحكم طالبان.

ومع ذلك، لم تكن بعض الجماعات السلفية الجهادية في تركيا راضية عن سيطرة طالبان. فبالنسبة لهم، فإن القاعدة وطالبان منحرفان عن الإسلام " واستطاعوا السيطرة على أفغانستان بالتعاون مع الولايات المتحدة"، وذلك وفقًا لمقطع فيديو تم نشره على موقع يوتيوب. وحسب التوقعات فإن إحتمال إعتراف دول "الطاغوت" بطالبان بمثابة دليل على فشل الحركة في تثبيت حكم إسلامي حقيقي. كما ويتهم الفيديو طالبان بالإنحراف عن هدف الجهاد والتخلي عن القتال للتفاوض مع الأمريكيين في "فنادق فاخرة وفارهة " بالدوحة.

وفي معرض الحديث عن طبيعة الحكم فأن نقطة الخلاف الجوهرية بين الجهاديين في تركيا تدور حول ماهية الحكم، أي الخلاف حول ما إذا كان ينبغي عليهم السعي لإنشاء إمارات إسلامية أو خلافة إسلامية شاملة. وفي الوقت الذي سعت طالبان لإقامة حكماً إسلامياً يقتصر على أفغانستان، فإنه على نقيض ذلك دأبت الجماعات السلفية الجهادية الموالية لداعش لإقامة دولة واحدة للعالم الإسلامي برمته.

ففي محافظة إدلب شمال غرب سوريا على الحدود مع تركيا والمعقل الأخير للمتمردين الإسلاميين المتطرفين في البلاد، بدت الجماعات السلفية الجهادية أقل إيجابية بسبب تصريحات طالبان حول طبيعة علاقتها مع المجتمع الدولي.

على الرغم من أن هيئة تحرير الشام، الجماعة المهيمنة في إدلب، قد أعلنت إنفصالها عن تنظيم القاعدة وسعت إلى إعادة تصنيف نفسها على أنها فصيل معتدل يقاتل النظام السوري فقط وليس معاديًا للغرب، إلا أنّ الجماعات السلفية الجهادية في تركيا وسوريا بشكل عام ترفض النظام الدولي برمته. وإن إنتصار طالبان في أفغانستان يعزز موقفهم ويحفزهم لمواصلة خوض حرب طويلة الأمد لتحقيق النصر على أعدائهم.

في هذا السياق، سعت هيئة تحرير الشام بالفعل إلى تطبيق إستراتيجية طالبان من خلال محاولة "جعل إنتمائها سوري " وإظهار أنها تخلت عن فكرة الجهاد العالمي. ومنذ عام 2019، أبدت المجموعة مرارًا رغبتها في إقامة علاقات جيدة مع الغرب وقالت إنها لا تمثل تهديدًا للغرب.

يأتي هذا الخطاب بمثابة دليل على نوايا هيئة تحرير الشام في أن تحذو حذو طالبان من خلال الاستمرار في حرب استنزاف. ومع ذلك، لا تمتلك هيئة تحرير الشام والجماعات السلفية الأخرى في سوريا حاضنة شعبية قوية بالإضافة إلى عدم تأييدها من غالبية جماعات المعارضة السورية والمدنيين السوريين ناقمين على النظام. ومع ذلك، فإنهم بالتأكيد سيجعلون من انتصار طالبان كبروباغندا تحفيزية.

أثار إستيلاء طالبان على أفغانستان تساؤلات حول إمكانية إنتقال مقاتلين إسلاميين من سوريا إلى أفغانستان والعكس صحيح. يبدو أن تدفق هؤلاء من سوريا إلى أفغانستان ممكن ولكن يشمل فقط المجموعات الطاجيكية والأوزبكية والشيشانية والأويغورية. فحركة طالبان ليست بحاجة إلى مقاتلين عرب أو أوروبيين. علاوة على ذلك، لا يتوقع منهم قبول هؤلاء المقاتلين بسبب الوعود الأمنية التي قطعوها. أما بالنسبة للمقاتلين الآسيويين، فهناك سببان رئيسيان قد يدفعانهم للانتقال إلى أفغانستان. الأول، معظم المقاتلين الآسيويين في سوريا أتوا من أفغانستان ولم يتبق شيء يمكنهم فعله في سوريا، أما السبب الآخر والأكثر أهمية، هو أنه يمكن لطالبان أن تدمجهم بسهولة في المجتمع الأفغاني.

وفي ضوء ما سبق، هل سنشهد بروز شبكات سلفية جهادية مسلحة بالمنطقة في المستقبل القريب ؟ يبدو مثل هذا الاحتمال غير وارد في كل من الإطار التركي السوري والإطار الإقليمي السوري، حيث أن معظم الجماعات السلفية في المنطقة إما هُزمت مثل داعش أو محصورة في أجزاء صغيرة نسبيًا مثل هيئة تحرير الشام وأجبرت على التحول. أما في لبنان فالحركات السلفية محدودة للغاية، وتكاد تكون غائبة في الأردن . وفي غضون ذلك ، يعتبر العراق بلدًا آخر تم فيه كسر شوكة القدرة العسكرية للجماعات السلفية وذلك من خلال الغزو الأمريكي للعراق والحرب الأهلية التي تلت ذلك، إضافة للحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وحسب بعض المصادر، فإن تركيا أيضاً قيدت حركة الجماعات السلفية والمجتمعات والمنظمات ذات الصلة أو الترويج لها، تبعاً لذلك، يبدو أن ظهور حركة سلفية جهادية مسلحة بالمنطقة أمراً مستبعداً في المنظور القريب.

ومع ذلك، فإن إستيلاء طالبان على أفغانستان سيؤدي بلا شك إلى حدوث تقلبات في الوضع الأمني بالمنطقة. وعلى الرغم من تأكيدات طالبان الأمنية للدول المجاورة والمجتمع الدولي، فإن العديد من الأسئلة العالقة يمكنها التأثير في المسار المستقبلي للحركات السلفية الجهادية العالمية. أولاً، هل ستسعى طالبان لطرد المقاتلين الجهاديين الأجانب من أفغانستان؟ وإن تمكنت من ذلك، فهل سيعود هؤلاء المقاتلون إلى بلدانهم الأصلية أم سيبحثون عن مناطق أخرى للإختباء فيها؟ ثانيًا، هل ستسمح طالبان لهؤلاء المقاتلين بزعزعة استقرار الدول المجاورة؟ وأن أستطاعت ردعهم، فهل سيؤدي ذلك إلى صراع شامل بين طالبان والجهاديين السلفيين في أفغانستان في المنظور القريب؟

في ظل هذه السيناريوهات المحتملة، فإن فشل طالبان في التعاون مع المجتمع الدولي من شأنه أن يخلق فراغًا له تداعيات خطيرة على المنطقة. وقد تتعرض دول آسيا الوسطى على وجه الخصوص، لتهديد الجماعات المسلحة التي تم نفيها في أفغانستان لسنوات. إضافة إلى ذلك يمكن أن تؤثر تحركات المسلحين هذه على إيران وسوريا وتركيا في المنظور القريب. أما بالنسبة لباكستان فهي تواجه بالفعل عودة حركة طالبان الباكستانية التي كثفت مؤخرًا من هجماتها على قوات الأمن وأعلنت عن ولائها لحركة طالبان الأفغانية بعد سقوط كابول.

المصدر: المونيتور

ترجمة: المركز الكردي للدراسات