«أوراق أفغانستان»... التاريخ السري للحرب الأمريكية في أفغانستان

الجمعة 27-08-2021 | PM 04:58 turkey

كلايتون توماس

 نشرت صحيفة واشنطن بوست في 9 كانون الأول/ ديسمبر عام 2019 سلسلة من الوثائق أطلق عليها اسم «أوراق أفغانستان». تتكون هذه الوثائق من مجموعتين: الأولى، تتألف من حوالي 1900 صفحة من ملاحظات ونصوص للمقابلات التي أجريت مع 400 شخصية من صنّاع السياسات الأمريكية بين أعوام 2014- 2018، وذلك من قبل مكتب المفتش العام المسؤول عن إعادة إعمار أفغانستان (SIGAR). والثانية، شملت حوالي 190 مذكرة قصيرة يشار إليها باسم (ندف ثلجية) من قبل وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، وتمتد تاريخها من أعوام 2001- 2004.

تسلط الوثائق الضوء على السياسات الأمريكية في أفغانستان التي كانت عديمة التخطيط من حيث الموارد والأهداف. كما تحتوي أيضا طائفة من مواضيع رئيسية مثل، الآثار السلبية للتمويل الأمريكي، الأهداف الأمريكية غير واضحة المعالم، التنافس وتضارب أولويات العمل، نقص الخبرة، الفوضى في آلية عمل قوات التحالف الدولي، الانشغال بالوضع العراقي، دعم باكستان لحركة طالبان.

الآثار السلبية للتمويل الأمريكي

أخذ هذا الموضوع حيزاً كبيراً في المقابلات من قبل مكتب المفتش العام، وذلك على خلفية تدفق أموال طائلة إلى افغانستان، حيث بلغت قيمتها نحو 132 مليار دولار كمساعدات إنمائية، وما نجم عن ذلك من الهدر والسرقة التي فاقمت قضايا جديدة على أكتاف قضايا موجودة أصلاً. وجادل ممن أجريت معهم اللقاءات بأن أفغانستان، التي تعتبر واحدة من أفقر دول العالم وأقلها نموًا، لم تكن قادرة على الاستفادة من حجم الموارد المالية التي وجهتها الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون إلى البلاد. وفقاً لمسؤول في مجلس الأمن القومي - لم يُكشف عن اسمه- بأن أشرف غني، عندما كان وزير المالية الأفغاني عام 2002، أكد له:" أن قدرة أفغانستان على استيعاب الأموال تبلغ 2 مليار دولار سنوياً كحد أقصى، دون ذلك، سيذهب أي مبلغ إضافي للتبذير". هذه المكاشفة كانت تخالف السياسة المالية المنفذة، لأن الولايات المتحدة وحدها كانت تساهم وسطياً بأكثر من 7 مليارات دولار سنوياً منذ عام 2001.

وأحال دوغلاس لوت، نائب مستشار الأمن القومي للعراق وأفغانستان في عهد جورج بوش وأوباما عن سبب تسليم الولايات المتحدة الكثير من الأموال إلى أفغانستان، إلى الضغوطات السياسية التي تعرض إليها الكونغرس من قبل مسؤوليّ السلطة التنفيذية لزيادة الميزانية بذريعة مواصلة إعادة الإعمار قائلاً:" خصص الكونغرس ما طلبته الإدارة التنفيذية بشأن الاعتمادات المالية ... كانت تسود فكرة مفادها إذا لم ننفق الأموال، فإن مكتب المساءلة الحكومية واللجان الموجودة في واشنطن، ستمنعنا من الحصول على المزيد من التمويل مستقبلاً. على ضوء ذلك، يتحتم أن نزيد من حجم الانفاق ومن ثم الانفاق والانفاق.. كنا نصرف أموالًا طائلاً على مشروعات بنية تحتية ضخمة، فقط من أجل أن نبرهن قدراتنا على انفاقها من الأموال التي خصصت لنا. لم تكن غالبية مشاريع البنية التحتية مستدامة للشعب الأفغاني، وفي حالات أخرى لم يكونوا حتى يستخدمونها".

تورطت سلسلة القيادات العسكرية العليا وصولاً إلى المراتب الدنيا في منهجية سياسة إنفاق الاموال والموارد. لتستمر التكاليف بالصعود حسب ما أشار ضابط لشؤون مدنية بالجيش الأمريكي -لم يُذكر اسمه- في المقابلة:" لم يكن لدينا سبب للتفاوض أو تعليق عمل المقاولين، طالما الأموال كانت تتدفق بغض النظر عن السبب ... لم نحصل على الائتمان لتوفير المال. في الواقع، حصلنا على الائتمان لتبذيره ". فيما أرجع ضابط آخر إلى سبب عدم إعطائه إرشادات معينة لتكون بمثابة شروط من أجل صرف الأموال:" لأن أرقام بالدولار كان مقياسنا الوحيد. لم يقل أحد أن الأموال التي يتم إنفاقها يجب أن تكون خاضعاً للمعايير، كنا نعمل بدون توجيه ومعايير، كان هذا هو المعيار الوحيد الذي يمكننا استخدامه ... لم نتوقف ونقوم بعملية المراجعة والتقييم للمشاريع التي انجزت، وما إذا كانت نتائج هذه المشاريع نافعة. جلى تركيزنا انصب على استكمال المزيد من المشاريع من خلال تبذير أموال فقط".

 وأعرب المتحدثون بأن تأثير تدفق هذه الأموال على أفغانستان عمقت من حجم المشاكل القائمة. وإحدى المشكلات الرئيسية التي اثيرت اثناء المناقشات، تمثلت في دور الأموال لتشكيل ظاهرة الفساد والتي لا تزال مستمرة في تقويض الدولة الأفغانية ذاتها عوضاً عن مساعداتها. ولفت أندرو ويلدر، نائب رئيس برامج آسيا في معهد الولايات المتحدة للسلام، في مقابلته:" أن الحكومة الافغانية فقدت شرعيتها جراء تدفق الكثير من الأموال، والتي كان يُنظر إليها مسبقاً على أنها حكومة فاسدة، أو باتت أكثر فساداً نتيجة تدفق سيل الأموال هذه، فضلاً عن تعزيز نفوذ جماعات معينة على حساب آخرين".

اتفق العديد ممن تمت مقابلتهم بأن المساعدات الأمريكية لها تحيّز مؤسساتي وخلقت دوافع سلبية، وخاصة من جهة إعادة توجيه تدفقات المساعدات الأمريكية واستغلالها للأغراض السياسية من قبل الأفغان. وأظهر نائب وزير الحكومة الأفغاني السابق طارق عصماتي أن:" الاهتمام المالي انصب على المناطق غير الآمنة. كما أصبحت المناطق التي كانت آمنة نسبيًا غير آمنة، وذلك بسبب التنافس الشرس بغية جلب بعض البرامج والأموال إلى المناطق الآمنة". استكمالاً لهذه الرؤية، عبر أحد مسؤوليّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بشكل مباشر عن رؤيته:" استهدفت برامج التنمية قضايا ومناطق أكثر تدهوراً وانعدامًا للأمن، وبذلك كانت تكافئ سلوكيات سيئة، بينما كان حكام الأقاليم في مناطق أكثر أماناً يأتون إلى كابول، ويسألوننا مع علامات الغضب والانزعاج: ماذا ينبغي أن نفعل كي ننال الود الأمريكي؟

في حالات كثيرة، حملّ الأشخاص الذين تم محاورتهم مسؤولية هدر أموال طائلة إلى "نظام تعاقد المنح". وناقشوا بأن الأفغان قد حصدوا بالفعل على منافع ضئيلة. وقد أدلى مسؤول أمريكي رفيع المستوى في هذا السياق:" نقوم بشراء منتجات وبذور أمريكية، ونوظف مستشارين وخبراء أمنيين أمريكيين، بهدف تنفيذ برامج مساعداتنا…. اعتاد الأفغان أن يخبروني أن حوالي 10 إلى 20٪ من التمويل يظهر فعليًا في أفغانستان، وأقل من 10٪ يذهب للريف".

وأضاف:" أنتم، أي الولايات المتحدة، تحملوننا مسؤولية هدر مليار دولار!!.. لكن الحقيقة بخلاف ذلك، فعلى سبيل المثال تكون تكلفة مشروع بناء الطرقات تستحق فعلاً حوالي 50 مليون دولار. لكنكم تستأجرون مقاولًا كبيرًا ومستشارًا داخل جماعات الضغط في واشنطن، والذي بدوره يقوم بتعيين 15 مقاولًا فرعياً. بحيث يحصل المقاول الأول على 20٪ من قيمة المشروع، ويجري صرف حوالي 20٪ على توظيف مجموعة من الخبراء الأمريكيين الذين تكون قيمة أجورهم عشرة أضعاف بما يمكن أن ينجزوها لاجئو الشتات الأفغان أو الخبراء الهنود.... هؤلاء الأمريكيون الذين يجري توظيفهم من قبلكم يسافرون إلى أفغانستان بشروط الدرجة الأولى أو درجة رجال الأعمال مع مرافقة خمسة رجال أمن لكل منهم ... الأموال التي تصرفونها لا تصل إلى القرية، ولا تساعد الحكومة الأفغانية حقاً ".

شكلت الأموال الأمريكية تأثير عملي آخر لترسيخ الفساد، حيث حاجج بعض الأشخاص بأن الأموال الأمريكية الجاهزة شوهت الثقافة السياسية الأفغانية. ففي مقابلة مع مسؤول من الأمم المتحدة أشار:" تشكلت تصورات الولايات المتحدة للشعب الافغاني من خلال التجمعات والمجالس" اللويا جيرجا الطارئة" و"اللويا جيرغا الدستورية" (وهي مؤتمرات للجان الدستورية الافغانية التي عقدت في فترة 2002-2003 تحت الوصاية الأمريكية) ... فقد تم الاتصال بالقادة الدينيين وتلقوا حزمة مالية كبيرة من الولايات المتحدة مقابل القبول بعض الإجراءات الخاصة بالنساء وحقوق الإنسان. التصور الذي تبلور في تلك الفترة كان على الشكل التالي: إذا كنت ستحتل موقعاً ما حسب رغبة الولايات المتحدة، سيكون من الغباء عدم قبول حزمة مالية مقابل تنصيبك. حتى أولئك المؤيدين للولايات المتحدة سيطلبون المكافأة والتعويض ... لذا، منذ البداية، كان المال متأصلاً بعمق مع تجربتهم الديمقراطية".

أهداف أمريكية غير واضحة المعالم

تطرق العديد من المحاورين عن بدايات عملية التدخل الأمريكي في أفغانستان وبالدعم من الأموال المشار إليها أعلاه، وخرجوا بنتيجة بأن العملية كانت تفتقر إلى أهداف استراتيجية واضحة المعالم، وهو ما كشف عنه موظف سابق في مجلس الأمن القومي الذي لم يذكر اسمه:" لا أعتقد وضعنا هدف نهائي نصب أعيننا. كنا نصمم التخطيط، بينما الظروف الميدانية كانت تتغير باستمرار. انحبس جهودنا في معالجة مشاكل آنية طارئة، ولكن لم نملك رؤية نهائية يمكن أن نسترشد على ضوئها".

ووصف أحد مسؤوليّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية سياسة التبعثر والغموض هذه كأنها:" هدية شجرة عيد الميلاد، متاحة للجميع. ففي اللحظة التي تنتهي من عملك، حيث كان لديك سلة من الأولويات والتطلعات، تدرك بأنه لم تكن تملك استراتيجية على الإطلاق. إذا كان لديك 50 أولوية، فلن يكون لديك أية أولويات على الإطلاق". وحسب ما ورد في نص المقابلات امتد حجم الارتباك إلى مجالات ذات أهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة، وعرض مسؤول سابق في الأمم المتحدة لم يذكر اسمه في المقابلة وجهة نظره في هذا الموضوع بأنه:" لم يكن هناك إطار واضح حول ما كنا نحاول تحقيقه بشأن إعادة الإعمار، نتيجة افتقارنا إلى أهداف محددة". في حين عجز مسؤول سابق في وزارة الخارجية عن فهم جهود مكافحة المخدرات:" لم يكن واضحاً أمامنا ما هو الغرض من مكافحة المخدرات أصلاً؟"

تضارب الأولويات

يبدو أن تبدد الأهداف الأمريكية في أفغانستان أفضى إلى تعقيد آخر تمثل في تفضيل الولايات المتحدة أهداف على حساب تقويض أهداف أخرى، لا سيما من جهة تشطير المشروع الأمريكي بين البعد الأمني والمدني، حيث كانت الغلبة دوماً تميل للمصلحة الأمنية دون سواها.

المجالان، اللذان حددتهما المقابلات على أنهما مهددان بشكل خاص لصالح التركيز على الأمن، كانا مكافحة المخدرات والفساد. وقد أفاد متعاقد في مكافحة المخدرات بوزارة الخارجية الأمريكية أنه:" لم ينقل رئيس البعثة في السفارة الأمريكية أية رسالة إلى الحكومة الأفغانية بوجوب مكافحة المخدرات، وكانت حجته دائماً، ثمة قضايا أخرى ضرورية، لا أملك وقتًا للتعامل مع المخدرات". وأستطرد مسؤول أمريكي آخر: " كانوا يكافئون القادة المحليون الذين رفضوا القتال ضدهم، وذلك من خلال صرف النظر عن زراعتهم لمادة الحشيش".

وظهر التناقض بصورة جلية في ملف الفساد، حيث أشار مسؤول في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن وجهة نظر كبار المسؤولين الأمريكيين بخصوص معالجة الفساد كانت: "تحلوا بالصبر، لدينا أولويات قصوى في التخلص من الأشرار، يمكننا العودة إلى ملف الفساد في وقت مناسب".

ورجح مسؤول في وزارة الخزانة فشل الولايات المتحدة في أن تكون أكثر عدوانية في مقاضاة المسؤولين عن انهيار بنك كابول عام 2010 إلى اعطاء الأهمية القصوى للأهداف الأمنية:" بكل التأكيد إفلاس البنك ليس خبر جيد، لكننا نخوض حربًا هنا، هناك قضايا كبرى على المحك".

استمر التناقض من قبل أهداف الولايات المتحدة من جهة مكافحة المخدرات والفساد، جراء التغاضي عن المحسوبيات أيضاً. وأفصح مسؤول دفاعي أمريكي أن المدفوعات الأمريكية لحكام الاقاليم بغرض الحد من زراعة الحشيش:" قوضت الحوكمة الرشيدة، لقد كان الناس يعتبروننا متواطئين مع الحكام الفاسدين لإخراج خصومهم من الساحة السياسية. سيما أنّ هؤلاء الحكام عندما استهدفوا زراعة الأفيون لنظرائهم السياسيين، استولوا على تجارة الأفيون عوضاً عنهم".

أراد بعض المسؤولين الأمريكيين تبرير هذه التناقضات بأنها لا مفر منها، نظراً أن الولايات المتحدة ليست لديها خيار سوى السعي وراء المصالح الأمنية على حساب أهداف ثانوية. وعلق مسؤول أمريكي سابق في السفارة الأمريكية حول قرار شراكة الولايات المتحدة مع أمراء الحرب الذين لديهم سجلات فساد وانتهاكات لحقوق الإنسان:" لست متأكداً أن كانت لدينا خيارات مغايرة. هؤلاء أمراء الحرب يملكون قوة ميدانية هزمت للتو طالبان والقاعدة على الأرض وذلك بالتنسيق مع قوات العمليات الخاصة الأمريكية ... لم يكونوا هؤلاء مجرد قطاعيّ الطرق يتجولون هنا وهناك بصورة عشوائية".

التشويش والتنافس التنظيمي

كانت كفة وزارة الدفاع تهيمن على جهود الولايات المتحدة في أفغانستان، وبحكم اتساع نطاق المصالح الأمريكية في أفغانستان، استوجب ذلك الاستعانة بالإدارات والوكالات الفيدرالية المتنوعة من أجل توحيد الأهداف والرؤى تحت مظلة سياسة مشتركة. وعليه، تأسس في واشنطن عام 2003 رئاسة مجموعة العمليات الأفغانية المشتركة التي كانت تشرف على عمليات التنسيق مع وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي. ومع ذلك ظلت إشكالية الانسجام والتناسق بين هذه الكيانات البيروقراطية كقضية ثابتة، حيث عجزت هياكل مختلفة في علاجها.

تعرضت هذه الآلية إلى انتقادات حادةً على لسان الشخصيات المتحاورة، فقد ذكر العديد من المسؤولين أن الأمر كان "مكلف ويستغرق وقتًا طويلاً، بحكم أن آلية التنظيم مصممة منذ البداية على الفشل، ولدى الشروع على المستوى العملي، أصبحت الحياة لا تطاق".  كما تعرض المكتب الخاص لوزارة الخارجية العاملة بين أفغانستان وباكستان، والذي تأسس عام 2009 وجرى إغلاقه عام 2017، إلى انتقادات لاذعة أيضاً. وهو ما أكده مسؤول في وزارة الخارجية- لم يذكر اسمه- بأن:" هذا النموذج غير مستدام. من المفترض أن يطور المسؤولون عن المكتب خبرة إقليمية طوال حياتهم المهنية، بحيث يتقنون أكثر من لغة، ويتناوبون باستمرار للعودة إلى منطقة عملهم ونطاق اختصاصهم، لكن هذا النموذج افرز هياكل بيروقراطية موازية".

نادراً ما اندرجت مكافحة الفساد والمخدرات والأولويات الأخرى ضمن مهام واختصاص وكالة أو إدارة واحدة بعينه. بل يمكن القول إن المجموعة الواسعة من الفاعلين الذين كانوا يشاركون في البرامج المختصة ضمن هذه المجالات، لم تولد الارتباك فحسب بل ولدت المنافسة أيضاً. قال أحد مقاولي التنمية السابقين عن مكافحة المخدرات:" لا أحد كان مسؤول حقًا، ولا أحد كان يمسك زمام المبادرة والقيادة ويوجه آخرين حول ما ينبغي أن يفعلوا. لم تكن الشخصيات المتنافسة مهتمة بما هو منطقي وعقلاني، بقدر ما كانت معنية بكيفية تأسيس حياتها المهنية في المقام الأول".

هذه المنافسة بدورها، أفسحت الفرص للأفغان من أجل الاستغلال والتحايل، الأمر الذي شدد عليه سفير أمريكي سابق- لم يذكر اسمه في المقابلة- بأن:" الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي كان يحاول معرفة كيفية التلاعب بالولايات المتحدة، وضرب الوكالات الأمريكية المختلفة بعضها البعض من أجل توسيع نفوذه، وهكذا بدأت المهمة تفقد الاتزان.. لديك وكالات تنهش بعضها".

نقص الخبرة

وطالت انتقادات سياسات الولايات المتحدة، التي زعمت بأنها فشلت في توليد الخبرة المطلوبة، داخل الحكومة الأمريكية وتنفيذها في أفغانستان. على سبيل المثال، كانت الخبرة الفنية الإقليمية مشكلة متكررة، وتحديداً من جهة إخفاق الموظفين الأمريكيين تعلّم اللغات المحلية، فقد كانوا أقل قدرة على التعلم من نظرائهم الأفغان من أجل بناء الثقة والشراكة بشكل فعّال. وقد أشار مدير المخابرات السابق للجهود العسكرية بقيادة الناتو مايكل فلين إلى هذه المعضلة، قائلاً:" عندما وصلنا إلى أفغانستان عام 2009، كان هناك ضابط واحد فقط من طاقم" قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في افغانستان" يتكلم باللغة الدارية ... لكنه بقي لفترة قصيرة وأرسله سلاح الجو إلى اليابان بعد أشهر قليلة ... ضحكنا على ذلك لأن هذا النظام يبدو مجنون فعلاً.. حتى اليوم، ما زلنا في أفغانستان، هل بإمكانك أن تخبرني كم عدد الأعضاء الأمريكيين الفعليين في الجيش والجماعات السياسية والدولة الذين يتحدثون الدارية أو البشتوية؟ هذا عارٍ ينبع من قرار سياسي".

كانت المشكلة الأكثر شيوعًا، هي عوز الخبرة والثقة الناتجة عن خدمة قصيرة المدى، واستناداً ما قاله أحد المسؤولين الأمريكيين فأن:" الولايات المتحدة لم تكن لديها مشاركة مستدامة على مدار 14 عامًا، ولكن كان لديها 14 ارتباطاً لمدة عام واحد". ووصف غالبية المتحاورين بأن المشاكل التي خلقتها الجولات القصيرة مثلت أكبر ضرر لنجاح السياسة الأمريكية. حيث علق مسؤول أمريكي سابق، كان يعمل لصالح السفارة الأمريكية في كابول على هذه المعضلة بقوله: "على المستوى الاستراتيجي، كان العامل الوحيد الأكثر إعاقة هو فشلنا في الحفاظ على قيادة طويلة الأمد في السفارة وقيادتنا العسكرية. ينبغي أن تكون فترة الخدمة على الأقل تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات من أجل الاستمرارية".

شارك ديفيد مارسدن، المسؤول السابق في الوكالة الامريكية للتنمية الدولية، هذه المخاوف حينما حذر في مقابلته:" أن التناوب لمدة عام واحد لموظفي وكالة التنمية ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع هو أكبر عقبة أمام النجاح وأهم عامل منفرد في فشلنا. المشكلة الكبرى كانت مداورة الناس ... والنتيجة لم تكن هناك ذاكرة مؤسساتية".

تشير سجلات المقابلة إلى عدم وجود إجماع حول كيفية حل هذه المشكلة. كان أحد الحلول المقدمة هو زيادة الأجور للموظفين الحكوميين الذين تم نشرهم في أفغانستان. وأفشى مارين سترميكي الذي شغل منصب منسق السياسية الافغانية في مكتب وزارة الدفاع في فترة إدارة جورج بوش وأوباما بأن الموظفون الموهوبون يتركون:" الحكومة لصالح مقاولينا والمنظمات غير الحكومية وشركائنا النافذين، لأنهم يدفعون لهم أكثر". في حين أعرب مستشار قانوني -لم يذكر اسمه- كان يعمل في كابول:" أن الأجور المرتفعة لبعض المناصب الأمريكية لهو مؤشر أن أولئك الذين شغلوا الوظائف لم يكن لديهم سوى القليل من الفهم للثقافة - لقد جاؤوا لأن الراتب كان مربحًا... واعتبروا أن بضع سنوات من استثمار هذه الفرص في افغانستان بمثابة التخلص من الرهون العقارية على منازلهم في أمريكا ".

عموماً، أن الافتقار إلى الخبرة أدى إلى تفاقم العديد من المشاكل الأخرى التي تواجه سياسة الولايات المتحدة. ففي بعض الأحيان ورد أن الأفغان استغلوا نقص المعرفة والذاكرة المؤسساتية لدى السياسية الأمريكية من أجل تحقيق غاياتهم الخاصة. وذكر خبير أفغاني توماس جونسون حادثة غريبة من أجل تبيان هذا المسار:" تم استخدامنا من قبل القبائل، فقد احتجزت القوات الأمريكية عدد من المشتبه بهم كإرهابيين بناء على المعلومات المحلية والتي اعتقدت القوات الأمريكية بأنهم من طالبان، لكنهم في الواقع كانوا أعداء قبليين تقليديين".

القوات المتعددة الجنسيات: كثرة الطهاة؟

قدم حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها مساهمات كبيرة في افغانستان، من القتال وتدريب القوات الأفغانية إلى تقديم المساعدة الإنمائية. ومع ذلك، لم يستثنى العمل من التأزم ومكامن الخلل حسب الأشخاص الذين كانوا يشرفون على آلية التنسيق بين الولايات المتحدة والتحالف الدولي.

تأسس النظام الذي دشن في أفغانستان تحت مظلة «الأمة الرائدة» (إشراف دولة كبيرة على سير نطاق عمل التحالف كلها مثل أمريكا) - وقسمت على ضوئها مجالات العمل من قبل دول مختلفة: على سبيل المثال، ركزت إيطاليا على تطوير قطاع العدالة في أفغانستان، وعملت ألمانيا مع الشرطة الأفغانية، وكان البريطانيون في البداية مسؤولين لمكافحة المخدرات. لكنّ مستشار الأمن القومي السابق ستيفن هادلي كشف عن أوجه القصور في هذه العملية:" مع هذا النهج متعدد الأطراف، كان لدى كل طرف أجزاء صغيرة من القطاع، تراجعت أولوية سياستهم المشتركة إلى الدرجة الثانية أو الثالثة. لم ننجز أي شيء مثمر في نهاية المطاف".

في ذات السياق، أبدى جون وود، مدير مجلس الأمن القومي لأفغانستان بين عاميّ 2007-2009 في مقابلته نفس الملاحظات:" كل شخص لديه قطعة من الكعكة، كنا نفتقر إلى التماسك ... بقيت كل دولة تحدد كيفية التعامل مع الأمور وفق منظارها. حتى لو تقدمت دولة ما بإنجاز خطة متماسكة، تجد أن دولة أخرى ترفض مواكبتها بنفس الوتيرة".  وهو الرأي الذي أكده موظف في مجلس الأمن القومي حيال اختلاف وجهات النظر من حيث السرعة والمنهجية في تنفيذ المهام المطلوبة كونها كانت: "خاضعة لرغبة كل دولة على حدة، مما أدى إلى خلق التوترات بين التحالف والدول القومية المنضوية تحت سقفه".

العراق وتشتيت الانتباه

اتفق المسؤولون الأمريكيون الذين خدموا في أفغانستان في العقد الأول من الحرب على حكم شبه مشترك، بأن الغزو الأمريكي للعراق في مارس/آذار 2003 صرف انتباه الولايات المتحدة وحوّل الموارد المالية وغيرها صوب العراق، مما سمح لطالبان بإعادة تجميع صفوفها. ووصف السفير الأمريكي السابق لدى الناتو نيكولاس بيرنز العراق بأنه "أولوية عليا" وأفغانستان بـ "المسرح أقل حدة".

وكشف موظف في مجلس الأمن القومي في اكتوبر عام 2014، بأن السبب الرئيسي الذي كان يقف وراء: " قلق وزارة الدفاع بأن تتولى قيادة صلبة إدارة دفة ملف أفغانستان، كان يعود إلى إعطائهم الأولوية للعراق من حيث الموارد والقدرات البشرية.... خلال الفترة التي أمضيتها في مكتب وزيرة الخارجية في فترة 2002- 2011، كان ينبغي النظر بعين واحدة إلى أفغانستان، انصب جلى الاهتمام والتركيز حول العراق، مادياً وسياسياً".

وأفصح ذات المسؤول:" كان من الصعب استيعاب بأن مساحة عملك عبارة عن ملف ثانوي، أو في أسوأ الأحوال، تقتصر مهامك على مبدأ "توفير القوة"، بحيث تكرس عملك في سبيل ألا تخسر الحرب وليس من أجل كسبها. استنزفنا الكثير من الموارد في العراق بالرغم من أن الاوضاع كانت تتدهور باستمرار. وسط هذه الأجواء، كنا نبحث عن وسائل مختلفة لتحقيق النجاح في أفغانستان.. مؤخراً أدركنا بأننا لم نستثمر تلك الفسحة التي سنحت لنا في فترات 2002- 2003- 2005، حيث ساد سلام نسبي في أفغانستان، وكانت حركة طالبان في وضعية اندثار، ولم تكن خيبة الأمل لسان حال الناس كما الآن".

وقال مسؤول كبير إنه بين عاميّ 2005 – 2007 " كان العراق هو كل ما يمكننا التعامل معه". ولفت شخص آخر بأن" الضغط الكبير في الإطار الزمني من 2003 إلى 2010 ترجم في سحب الموارد نحو العراق والابتعاد عن أفغانستان". وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة بسحب القوات من العراق وإعادة التركيز على أفغانستان، جادل العديد من المراقبين بأن الضرر قد حدث بالفعل، فالقدرات العسكرية والإدارية للدولة الأفغانية (كلاهما كانتا غير موجودتان فعلياً في عام 2001) لم يتم تطويرهما بشكل كافٍ فيما بعد، الأمر الذي أفسح الطريق لصعود تمرد طالبان مجدداً، مما زاد من تقويض تلك القدرات، وهو ما عبر عنه مسؤول أمريكي -لم يذكر اسمه في المقابلة :" بكل صدق، تم إهمال أفغانستان عندما ذهبنا إلى العراق، وحينما عدنا، لم تكن لدينا القدرة الكافية".

دعم باكستان لطالبان

إجمالاً، صرفت الحرب في العراق انتباه صانعيّ السياسة الأمريكية عن التعامل مع دور باكستان في تسهيل عودة طالبان. ووفقاً لمستشار مساعدات دولية في مقابلة أجريت في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2015:" لم يكن يُنظر إلى باكستان سابقاً على أنها تقف مع محور الشر". وعزا كبار المسؤولين الأمريكيين، عودة طالبان والفشل الناتج عن ترسيخ المكاسب في أفغانستان، إلى الدعم المادي للجماعة من قبل باكستان، حيث كانت ملاذها الآمن. ويبدو أن قدرًا كبيرًا من المواد المتعلقة بالقضايا الحساسة المتمثلة في الدعم الباكستاني لطالبان قد تم حذفها من الوثائق، لكن القضية استمرت في الظهور خلال المقابلات.

وبينّ معظم المتحاورين بأن المصالح الأمريكية والباكستانية في أفغانستان كانت متعارضة بشكل أساسي، وهو ما نبّه إليه أحد موظفي مجلس الأمن القومي بصورة واضحة:" الاعتقاد السائد حول انسجام المصلحة الباكستانية مع الولايات المتحدة، بحكم أن الزعيم الباكستاني آنذاك برويز مشرف انضم إلى جهود الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، هو اعتقاد خاطئ بامتياز". ووفقًا لهذا الرأي، فإن الدور الإيجابي الذي لعبته باكستان بشأن محاربة القاعدة أعمى صانعيّ السياسة الأمريكيين عن دعم الباكستانيين لحركة طالبان.

وبدوره، كشف مارين سترميكي الذي شغل منصب منسق السياسية الافغانية في مكتب وزارة الدفاع بأنه:" نتيجة الثقة المفرطة في شخصية مشرف وبسبب الأشياء التي كان يواصل القيام بها في مساعدة الشرطة على تجميع مجموعة من القاعدة في باكستان، كان هناك فشل في إدراك اللعبة المزدوجة التي بدأ يلعبها بين عام 2002 - 2003. كنا نرى الحوادث الأمنية تزداد باستمرار من الأماكن الآمنة التي تحتضن طالبان. كان الأفغان وكرزاي نفسه يطرحون هذه القضية باستمرار خلال عام 2002. لكن القيادة الأمريكية لم تلقى آذانًا صاغية لشكواهم نتيجة الاعتقاد السائد بأن باكستان كانت تساعدنا كثيرًا في دحر تنظيم القاعدة ".

مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالقضية، حافظت باكستان على دعمها لطالبان من أجل الحفاظ على نفوذها في أفغانستان. في تقرير واحد على الأقل كان قادة باكستان صريحون على الانفراد بشأن هذه الاستراتيجية. ففي نص المقابلة التي أجراها في 11 يناير 2016 مع مكتب التحقيقات الفيدرالية، نقل ريان كروكر، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في كل من باكستان (2004-2007) وأفغانستان (2011-2012)، عن رئيس وكالة الاستخبارات الباكستانية آنذاك أشفق كيان قوله:" أعلم أنك تعتقد أننا نتمسك برهاناتنا، أنت على حق، لأنك سترحل يوماً ما مرة أخرى، ستعود الأوضاع كما جرى للمرة الأولى في أفغانستان عندما غادرت الولايات المتحدة أفغانستان عقب الانسحاب السوفيتي عام 1989. لكننا ما زلنا هنا، لأننا لا نستطيع في الواقع تحريك افغانستان. وآخر شيء نريده مع كل مشاكلنا الأخرى هو تحويل طالبان إلى عدو لدود، لذلك، لا بد أن نحتاط لمراهناتنا ".

مشاكل أخرى

إلى جانب الموضوعات الرئيسية التي نوقشت أعلاه، ظهرت قضايا أخرى تؤثر على صنع السياسة الأمريكية في أفغانستان، مثل التحيز وتسيّس المعلومات وتحريفها من سياقها الطبيعي، وخاصة عندما يضع صانعو السياسيات والقيادة العملية أيديهم على المعلومات الاستخباراتية، بحيث تبدو وجهة نظرهم حيال تدهور الأوضاع بصورة وردية في نهاية المطاف. علاوةّ على تقيّد الصلاحيات الممنوحة للحكومة المركزية في أفغانستان.

إضافة إلى ذلك، رسخ وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد عقيدة تقليص التزامات الولايات المتحدة في أفغانستان، على الرغم من أنه تلقى رسالة تحذيرية عام 2003 من الزعيم الأوزبكي الأفغاني، عبد الرشيد دوستم، الذي حذره من سيناريو توسيع نشاط طالبان قائلاً "من فضلك لا تنسى المعركة ضد الإرهابيين والمتطرفين في أفغانستان".

ردود على "أوراق أفغانستان"

جذب نشر "أوراق أفغانستان" اهتمامًا كبيرًا في الكونجرس، وطالب معظم الأعضاء بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان في غضون عام واحد وإنهاء الحرب على الفور. في حين صرح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي:" أعلم أنني وكثيرين آخرين قدمنا ​​تقييمات في ذلك الوقت بناءً على حقائق كنا نعرفها. وكانت تلك تقييمات صادقة، ولم يكن الغرض منها أبدًا خداع لا الكونغرس ولا الشعب الأمريكي".

من جهته، كتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (سيغار)، جون سوبكو، رسالة إلى محرر الصحيفة والذي وصف "أوراق أفغانستان بأنها:" مساهمة مهمة في الخطاب العام حول الحرب في أفغانستان. لكنها ليست تاريخاً سرياً". بينما قدم المراقبون وجهات نظر متباينة، وكان من أبرزها هي أن:" لائحة اتهام المسؤولين للسياسات الذين كانوا هم أنفسهم مسؤولين عنها، تكشف الخداع المؤسسي الهائل الذي يشكل قلب ما فعلته الولايات المتحدة في أفغانستان".

المصدر: واشنطن بوست/ 28 يناير- كانون الثاني/ 2020

 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات