تقرير المناخ.. هل انتهى عصر التسامح مع حرية النمو الاقتصادي؟

الإثنين 09-08-2021 | PM 09:33 حرائق في تركيا

المركز الكردي للدراسات

بعد سبع سنوات من العمل، بمشاركة أكثر من 240 عالماً وخبيراً في المناخ، صدر التقرير الأممي الذي أعدته لجنة علمية تابعة للأمم المتحدة واستند على 14 ألف دراسة علمية. التقرير هو الأكثر سوداوية في تاريخ التحرك العالمي لمكافحة التغير المناخي، وحمل معطيات صادمة لقادة الدول الكبرى، ومعضلة كبيرة أيضاً أمام الرأسمالية التي التزم ممثلوها الماليون في الشركات الكبرى بالصمت، وربما مع شعور بالارتباك من حجم الخطر الذي تسببت به الرأسمالية الشرهة، شركات ودول، من عدم المواءمة بين جني الأرباح (النمو الاقتصادي) واستدامة الحياة البشرية. لكن حجم المخاطر التي حددها التقرير المناخي، تشير إلى أن نسخة «النمو الاقتصادي» من الرأسمالية على مفترق طرق، وقد لا تتمكن، على خلاف طبيعتها التاريخية، من التأقلم مع هذه الأزمة وتحديث نفسها بدون التضحية بالأرباح، وهذا ينطبق على الدول أكثر من الشركات حيث ما زالت كيانات سياسية شرهة للربح، هي التي توفر بيئة الأرباح المدمرة للطبيعة.

5 سيناريوهات

طرح تقرير لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمناخ خمسة سيناريوهات محتملة للمستقبل. أكثر سيناريوهات اللجنة المعنية بالمناخ تفاؤلا وهو يصف عالماً تنخفض فيه انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون عالمياً إلى الصفر الصافي بحلول العام 2050. وفيه تتحول المجتمعات إلى ممارسات أكثر استدامة مع تحول التركيز من النمو الاقتصادي إلى المصلحة العامة. وتزيد فيه الاستثمارات في التعليم والصحة مع تراجع التفاوتات الاجتماعية. وتظل الظواهر الجوية المتطرفة أكثر شيوعاً لكن العالم قد يتفادي أسوأ تداعيات التغير المناخي. وهذا السيناريو الأول هو الوحيد الذي يفي بهدف "اتفاقية باريس" في إبقاء الزيادة في درجة الحرارة على مستوى العالم عند نحو 1.5 درجة مئوية أعلى من مستوياتها قبل الثورة الصناعية، على أن تصل الزيادة إلى 1.5 درجة مئوية ثم تتراجع وتستقر حول 1.4 درجة مئوية بنهاية القرن الحالي.في ثاني أفضل السيناريوهات تنخفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بشدة لكن بسرعة أقل لتصل إلى الصفر الصافي بعد العام 2050. وهذا السيناريو قائم على ذات التحولات الاجتماعية والاقتصادية صوب الاستدامة الواردة في السيناريو الأول. غير أن درجات الحرارة تستقر حول زيادة قدرها 1.8 درجة مئوية بنهاية القرن.

السيناريو الثالث، هو سيناريو «منتصف الطريق» وفيه تتأرجح انبعاثات ثاني أكسيد الكربون حول مستوياتها الحالية قبل أن تبدأ في التراجع في منتصف القرن لكنها لا تصل إلى الصفر الصافي بحلول العام 2100. وفيه تتبع العوامل الاجتماعية والاقتصادية اتجاهاتها التاريخية دون تحولات تستحق الذكر. ويتسم ما يتحقق من تقدم باتجاه الاستدامة بالبطء وفي الوقت نفسه تكبر التفاوتات في التنمية والدخل. وفي هذا السيناريو ترتفع درجات الحرارة 2.7 درجة مئوية بنهاية القرن.

في السيناريو الرابع ترتفع الانبعاثات ودرجات الحرارة باطراد وتزيد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وفق قياس المستويات الحالية تقريبا بحلول عام 2100. ويتزايد التنافس فيما بين الدول مع التركيز على الأمن الوطني وضمان الإمدادات الغذائية لشعوبها. وبنهاية القرن ترتفع درجات الحرارة 3.6 درجة مئوية في المتوسط.

أما الخامس، ففيه ترتفع مستويات انبعاث ثاني أكسيد الكربون إلى مثليها تقريبا بحلول 2050. وينمو الاقتصاد العالمي بوتيرة سريعة ويغذي هذا النمو استغلال أنواع الوقود الأحفوري وأساليب عيش تقوم على استخدام كثيف للطاقة. وبحلول العام 2100 ترتفع درجات الحرارة العالمية 4.4 درجة مئوية في المتوسط.

النمو عدو المناخ؟

تقرير المناخ لا يحدد أرجح السيناريوهات فهذا ستحدده عوامل من بينها سياسات الحكومات. لكنه يوضح الكيفية التي ستؤثر بها الاختيارات الآن في المستقبل. وفي كل الأحوال حدد الخبراء طريق النجاة، وإن جاء التشخيص ملتبساً بسبب استخدام ألفاظ علمية بحتة، مع تفادي الخبراء التشخيص المباشر بما يتضمن تحميل المسؤولية بشكل محدد لنزعة "الرأسمالية المتوحشة"، التي تتبعها دول وشركات، ويبدو أن اللجنة أحالت مهمة تحديد المسؤوليات للدول الكبرى، والتي هي نفسها جزء من المشكلة، وربما الجزء الأكبر. في ردود الفعل الأولية على التقرير، أبدى معظم الزعماء صدمتهم من نفاذ الوقت للتحرك، وصاغوا الأمر بعبارات أقل خوفاً لتفادي نشر اليأس. لكنهم مع ذلك لم يصيغوا في عباراتهم الخلاصة الواضحة في التقرير، وهي أنه لم يعد هناك حرية لتحقيق النمو الاقتصادي بمعايير لا تتواءم مع السياسة العالمية للمناخ. ومن المرجح، وفقاً للهجة التقرير والتعليقات الدولية، أن ملف المناخ سيأخذ مساراً تشريعياً دولياً، وقد يتطور إلى صيغة موازية للقانون الدولي، وتشريعات إلزامية على الدول لخفض الانبعاثات الضارة. وبطبيعة الحال، فإن الدول المتوسطة وسريعة النمو، على غرار تركيا والبرازيل والمكسيك، هي الأكثر تضرراً من التوصيات المناخية، بسبب اعتماد هذه الدول على النمو الكلاسيكي في الرأسمالية، وهو نهش الطبيعة، كما كان في القرن التاسع عشر.

ساندرز: الريادة الأميركية

وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، حصر إطار التحرك في الدول، بالقول: «من الضروري أن تقوم جميع الدول - ولا سيما الاقتصادات الكبرى - بدورها خلال هذا العقد الحاسم من عشرينيات القرن الحالي، لوضع العالم على مسار للإبقاء على حد ارتفاع الحرارة بواقع 5ر1 درجة مئوية في المتناول».وفي واشنطن، أعطى التقرير دفعة قوية لتيار حماية المناخ. فقد عرض أعضاء ديموقراطيون في مجلس الشيوخ إطارا تشريعيا يفترض أن يتيح لهم تبني خطة ضخمة للإنفاق الاجتماعي، وبذلك يكون الكونغرس قد مضى قدما باتّجاه تطبيق فصل جديد من خطة الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد خطة الاستثمار في البنى التحتية التي تقدّر قيمتها بألف ومئتي مليار دولار. ومن شأن إقرار الإطار التشريعي أن يتيح لمجلس الشيوخ المضي قدما باتّجاه «مشروع قانون هو الأضخم لجهة التصدي للأزمات، لصالح العمّال والمسنّين والمرضى والفقراء منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفلت الذي دشن حينها مشروع اقتصادي شامل يعرف بـ"الصفقة الجديدة" في ثلاثينيات القرن الماضي»، وذلك وفق رئيس لجنة الموازنة، السناتور المستقل بيرني ساندرز. واعتبر ساندرز أن القانون «سيضع الولايات المتحدة في موقع الريادة العالمية على صعيد مكافحة التغيّر المناخي وجعل كوكبنا مكانا سليما وقابلا للعيش للأجيال المقبلة». سيكون أمام العالم فرصة ضئيلة لتحقيق السيناريو الأكثر تفاؤلاً الذي حدده التقرير. وكما عبر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون: «نحن نعلم ما يجب عمله للحد من التغير المناخي- التخلي عن الفحم والتحول لمصادر طاقة نظيفة، وحماية الطبيعة وتوفير تمويل خاص بالمناخ للدول الواقعة على الخط الأمامي».

تغير الأولويات

لن تتوقف مظاهر التغير المناخي على إعادة تعريف النمو الاقتصادي فقط، فالأولويات التي تبنتها الدول الكبرى بخصوص التغير المناخي، ستعيد ترتيب الملفات الدولية على مستوى العالم، وقد تتراجع أهمية الأزمات السياسية المباشرة، من قبيل خلافات الدول على الحدود، والقضايا ذات البعد القومي بين الدول، لصالح الأولوية التي تفرض نفسها على العالم، التغير المناخي.

على الأرجح، ستكون السياسات الخاصة بحماية المناخ في العقود المقبلة، في ظل حالة طوارئ أممية لا يمكن تفاديها والتلاعب بها، ضربة مزدوجة لكل من الرأسمالية الأم والدولة القائمة على نموذج إثبات النمو بالناتج الوطني القومي.