"تجربة لم تنته بعد".. ثبات دور وحدات المرأة في ظل معادلة الاحتلال وانعدام المساواة

الأحد 25-07-2021 | PM 01:49 YPJ

إليزابيث فلوك

زينب البالغة من العمر 26 عاماً، ترعرعت في مدينة سري كانيه الواقعة في شمال شرق سوريا، وهي الفتاة الوحيدة من بين العائلة المكونة من خمسة أفراد، كانت ترغب أن تقاتل وترتدي ملابس الصبيان منذ صغرها. فعندما كان اشقاؤها يذهبون للمدرسة، لم يسمح لها الذهاب برفقتهم إلى الصفوف الدراسية، والتي بدورها لم تعترض على هذا القرار. كانت سري كانيه والتي تعني بالعربية " رأس العين"، مكاناً يمتاز بالطبيعة الخضراء وسط أجواء هادئ، حيث استقرت حياة زينب على زراعة الخضار مع والدتها في الحقول المنتشرة حول المدينة.

بيد أنّ هذه الأحوال لم تدوم، ففي 9 تِشْرين الأَوَّل ( أُكْتُوبر ) عام 2019 وذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، والتي كانت تعمل بالتنسيق مع القوات الكردية على مدار عدة أعوام. قرأت تركيا هذه الاشارة بمثابة إعطائها الضوء الأخضر لشن الهجوم ضد المناطق الكردية، وخاصة أنها تزعم بأن الكرد الذين بلا وطن بمثابة "التهديد الوجودي" لها، حيث خاضت حرب استمرت لعقود مع جماعات كردية مسلحة مناوئة لها. وفور هذا القرار، شنت حرباً بلا هوادة، استهدفت هذه المرة البلدات الحدودية التي تقع تحت سيطرة القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وعلى رأسها مدينة سري كانيه.

تستحضر زينب اللحظات الاولى من شن هذا الهجوم، عندما بدأت وابل القذائف بالسقوط بعد الساعة الرابعة من نفس اليوم، تلاها صمت مطبق وكئيب، ليتجدد صوت هدير قذائف الهاون. وفي المساء، هربت زينب مع عائلتها صوب الصحراء، حيث بدأوا يشاهدون أعمدة الدخان تتصاعد من مدينتهم، قائلة :" تركنا كل شيء خلفنا". مضيفة في الوقت نفسه :" كنا نملك سيارة صغيرة، كيف نأخذ أمتعتنا، ونترك هؤلاء الناس؟"

وفي أثناء فرارهم من المدينة، شاهدت زينب الجثث ملقية في الشوارع، لتعلم في وقت لاحق بأن من بين تلك الجثث، كان عمها وابن عمها، كما تحولت منزلهم أيضاً إلى كومة من الركام.

بعد أنّ أجبرت عائلة زينب النزوح إلى الجنوب، فاجئت والدتها في آواخر العام 2020 باتخاذ قرار الانضمام إلى وحدات حماية المرأة الكردية ( YPJ )، حيث تم تأسيس هذه الوحدات العسكرية التي تقتصر على العنصر النسوي عام 2013، وهي مدة ليست بطويلة عن تأسيس وحدات حماية الشعب المقتصرة على العنصر الذكوري، ودافعت هذه المجموعة بشكل واضح عن مناطقها ضد الجماعات المتنوعة، ومن ضمنها تنظيم الدولة الإسلامية.

دخلت والدة زينب في خلاف مع ابنتها حول فكرة الانضمام إلى وحدات حماية المرأة، لأنها كانت خائفة على حياة أثنين من أخواتها، اللذان كانا منخرطين مسبقاً في صفوف وحدات حماية الشعب.

بيد أنّ زينب بقيت ثابتة على قرارها، مؤكدة:" لقد تم تهجيرنا من أرضنا، وينبغي علينا أن ندافع عنها، لم تكن تراودني هكذا أفكار فيما مضى، ولكن الآن لدي هدف وغاية".

تعد زينب واحدة من بين 1000 امرأة تقريباً في سوريا اللواتي انخرطنّ في صفوف وحدات حماية المرأة خلال العامين المنصرمين. وقد بادرت الكثيرات منهنّ للانضمام إلى وحدات المرأة جراء سخطهنّ ضد الغزو التركي، لينتهي بهنّ المطاف بالعمل في صفوف وحدات المرأة.

 تعود زينب إلى ذاكرتها الطفولية، إذ تقول:" في النقاشات [ أثناء طفولتي ] في حال حدوث أي شيء، فإن قرار حله بيد الرجل دون المرأة، لكن الآن باستطاعة المرأة خوض غمار القتال وحماية مجتمعها، هذا ما أرغبه  تماماً ".

ووفقًا لوحدات حماية الشعب فأن ارتفاع طفرة التجنيد ناجماً أيضاً عن عدم المساواة بين الجنسين وانتشار العنف على مدى الأعوام المنصرمة. وأقرت الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا في عام 2019 سلسلة من القوانين لصون حقوق المرأة من ضمنها: تجريم تعدد الزوجات وزواج القصر والزواج القسري وما يسمى بجرائم "الشرف"، على الرغم أنّ معظم هذه الممارسات مستمرة بصورة عملية.

وتشير الارقام بأن ما يقارب من ثلث ضباط الآسايش( قوات الشرطة) ضمن الأجهزة الأمنية الكردية في المنطقة من العنصر النسوي، وتبلغ نسبة التمثيل النسائي في مؤسسات الإدارة الذاتية نحو 40 ٪. وكذلك تم إنشاء قرية خاصة بالنساء، حيث تستطيع النساء العيش فيها بمأمن من العنف، والتي تعرضت للتدمير نتيجة سقوط قذائف عليها، ليعاد لاحقاً ترميمها وتوطين النساء فيها مجدداً.

وتبرهن انتشار العديد من مؤسسات "بيت المرأة" على النطاق المحلي إلى وجود كم هائل من الانتهاكات العنيفة ضد المرأة، حيث توفر هذه المؤسسة للمرأة ملاذاً آمناً وشكل من اشكال التحكيم والمصالحة المحلية بغية صون حقوق النساء المحتاجات في جميع أنحاء سوريا.

ومنذ عام 2014 تم افتتاح حوالي 69 من هذه البيوت، مع وجود طاقم يقدم الرعاية لأية امرأة أو رجل ممن يواجهون المشاكل، من ضمنها قضايا العنف المنزلي والتحرش الجنسي والاغتصاب وما يسمى بجرائم "الشرف"، وغالباً ما يتم التواصل مع المحاكم المحلية وقوات الشرطة" الآسايش" التابعة لوحدات المرأة، بغرض معالجة هذه القضايا.

وصلت في يوم مشمس من شهر أيار(مايو) ثلاثة نسوة إلى مركز " بيت المرأة " في شمال شرقي مدينة قامشلي، وهنّ في حالة الذهول. حيث روت المرأة الأولى، والتي كانت ترتدي عباءة خضراء سميكة، لموظفي المركز بأن زوجها نادراً ما يأتي إلى المنزل منذ أن وضعت مولودها، بينما وصلت المرأة الثانية برفقة زوجها تطلب الطلاق، حيث ارتسمت على ملامحها علامات الغضب والانفعال وهي تتحدث عن تعرضها للضرب المبرّح من قبل زوجها، حيث تعرضت للإجهاض نتيجة ذلك جراء هذا الضرب المبرح. بينما كانت المرأة الثالثة بوجه شاحب وثوب فضفاض وكانت يديها ملفوفتان بخرق، وغطت بشرتها بالاحمرار الممزوج مع السواد الداكن بسبب الحروق التي طغت على وجهها ومعظم جسمها. حيث روت لموظفي المركز كيف كان زوجها يمارس العنف ضدها ويهدد بقتل أحد أفراد العائلة في حال تخليها عنه. وذات يوم قام الزوج بصب زيت الكاز عليها، مما اضطرت أن تهرب من المنزل، ليقوم لاحقاً باستخدام قاتل مأجور لتصفية أخيها، وبعد أن لقي أخاها مصرعه على يد قاتل مأجور، أضرمت هي النار بنفسها، حيث قالت بنبرة بائسة :" سئمت من هذه الحياة ".

هذه المشاهد القاسية أثارت حالة السخط والامتعاض بين موظفي "بيت المرأة"، وأبدينّ استنكارهنّ لما حدث لهذه المرأة وهي تروي قصتها. وقامت موظفات المركز بتدوين جميع التفاصيل حول إفادة المرأة، وطلبنّ بأنهنّ بحاجة لالتقاط صور لها، وشرحنّ بأنهنّ سيقمنّ بإرسال الوثائق للمحكمة للمساعدة بإلقاء القبض على زوجها. وافقت المرأة على ذلك ثم استلقت على الأريكة من شدة التعب والإرهاق.

وحسب بهيّة مراد، مديرة مركز" بيت المرأة" بمدينة قامشلي، وهي امرأة طاعنة في السن ترتدي حجاباً باللون الزهري، فأن مراكز "بيت المرأة" تعاملت مع آلاف القضايا منذ تأسيسها، وعلى الرغم من تقديم الشكاوي من قبل الرجال والنساء لهذه المراكز " إلاّ أنه دائماً ما تكون المرأة هي الضحية".

تزايدت أعداد النساء اللواتي يأتينّ لمراكز" بيت المرأة". وتشير الموظفات بأن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاع معدلات العنف ضد المرأة بالمنطقة، ولكن تسعى هؤلاء النسوة لتحقيق العدالة والمساواة. تدرك وحدات حماية المرأة هذا التحول في المجتمع، حيث تقول نوروز أحمد القائد العام لوحدات حماية المرأة :" لا يقتصر هدفنا على جعل المرأة تحمل السلاح فقط بل أيضا توعيتها".

بالنسبة إلى زينب لم يكن الأمر يتعلق فقط بانخراطها في القتال، بل في نمط الحياة التي تقدمها وحدات حماية المرأة . فبدلاً من العمل في الحقول والزواج وإنجاب الأطفال، تتحدث النسوة اللواتي انضممنّ لوحدات حماية المرأة عن حقوق المرأة اثناء التدريب على استخدام القذائف الصاروخية. كما لا يتم تشجيعهنّ على استخدام الهواتف والمواعدة، وبدلاّ من ذلك يتعلمنّ اسلوب الحياة الذي يتمحور حول بناء صداقة مع النسوة الأخريات ضمن هذه الوحدات.

وتقدر أحمد التي تتحدث بصوت منخفض مع نظرة مهيبة وحادة، الحجم الحالي للوحدات النسائية بحوالي 5000. وهو نفس الرقم عندما كانت وحدات حماية المرأة في ذروة معركتها ضد تنظيم داعش في عام 2014 (على الرغم من أن وسائل الاعلام تقدم أرقام مبالغ فيها حول تعداد هذه القوات). وأضافت في حال حفاظ وحدات حماية المرأة على قوتها، فإن ذلك مؤشر على أن التجربة التي يقودها الكرد لا تزال مُزدَهِرة.

بقي حجم هذه القوات مرتفعاً على الرغم من فقدانها لمئات من مقاتلاتها في المعارك، إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير، ولم تعد تقبل النساء المتزوجات ضمن صفوف هذه الوحدات ( حسب أحمد لا يمكن الجمع بين القتال وتربية العائلة في آن واحد). وزعمت وحدات حماية المرأة أيضاً بأنها لم تعد تقبل في صفوفها النسوة التي تقل أعمارهن عن 18 عام بعد تعرضها لجملة ضغوط من قبل الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان لإيقاف تجنيد الأطفال.

ومن خلال الرحلة الاستقصائية في شمال شرق سوريا نستطيع القول بإنه لم يعد غريباً تزايد كمية الانخراط المتزايد من النساء في صفوف وحدات حماية المرأة، وذلك لكثرة تبجيل هذه الوحدات لذكرى شهدائها، حيث وجدنا صور الشهيدات وهنّ يبتسمنّ منتشرات في كل مكان، ويتم إحياء ذكراهنّ بنشر صورهنّ في الأماكن العامة أو بإنشاء تماثيل لهنّ تقف بكل فخر واعتزاز في ساحات المدن. فيما تغص المقابر بالشهداء، حيث فرشت النباتات الخضراء والورود فوق قبورهنّ.

وتقول أحمد التي تحدثت من داخل قاعدة عسكرية في محافظة الحسكة والتي عادت إليها القوات الأمريكية عقب فوز جو بايدن بالانتخابات، بإنه من الضروري حفاظ وحدات حماية المرأة على حضورها وذلك بسبب الخطر والتهديد التركي من جهة، والنضال من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين من جهة أخرى. حيث تؤكد:" لا زلنا نرى العديد من الخروقات [للقانون] وأعمال العنف ضد النساء في المنطقة. أمامنا معركة أخرى ضد العقلية السائدة، والتي هي أصعب بكثير من المعركة العسكرية".

تعد مدينة تل تمر، مقر وحدات حماية المرأة حيث تتواجد زينب، وهي بلدة مسيحية تاريخياً، يسودها الهدوء نسبياً. حيث يرعى البدو قطعانهم في الحقول، بينما الأطفال يقطعون طرقات القرية وقد تشابكت أيديهم مع بعضها البعض، في الوقت الذي تنشط عواصف ترابية، خاصة بعد فترة الظهيرة.

وسط هذه الاجواء، تجتمع في هذه المدينة المصالح الكردية والأمريكية والروسية. وتقول سوسن بيرهات قائدة زينب سري كانيه، بإن قاعدة وحدات حماية المرأة في تل تمر كانت قبل عام 2019 صغيرة، بيد إنها الآن وبعد انضمام المزيد من النساء أضحت فوجاً كبيراً.

والقاعدة عبارة عن مبنى مؤلف من طابق واحد، وهو بناء طيني أسمر اللون، كانت مقراً لقوات النظام السوري سابقاً. حيث تقوم المقاتلات بزرع الزهور والخضار في الأرض الوعرة التي تقع في فناء القاعدة. لا توجد إشارة اتصال لهواتفهن أو الكهرباء لتشغيل المراوح في هذا الحر الشديد. لذلك فهنّ يقضينّ وقتهنّ وأيام إجازتهنّ بعيداً عن الجبهات، إما باللهو عبر استخدام أسلحة مائية أو التدخين أو احتساء القهوة والشاي. ومع ذلك فإنهن متأهبات للقتال دوماً. حيث تتحدث ڤيان روج آفا، المقاتلة الأكثر تمرساً من زينب، عن السعي لاستعادة عفرين. ففي شهر آذار ( مارس ) من عام 2018، شنت القوات التركية مع المليشيات السورية التابعة لها، عدوان عسكري تحت مسمى "غصن الزيتون" لاحتلال مقاطعة عفرين المعروفة بحقولها المليئة بأشجار الزيتون.

 منذ احتلال تركيا لعفرين، تم تهجير مئات الآلاف من السكان _ ومن ضمنهم عائلة فيان روج آفا _ و أكثر من 135 امرأة في عداد المفقودين وفقا لتقارير إعلامية وهيئات حقوق الإنسان. تقول روج آفا :" في حال وصول هؤلاء إلينا، فإن مصيرنا سيكون أشبه ما يكون بما حل بعفرين وغيرها من المناطق، ولن نقبل بذلك، لذلك سنبقى نحمل السلاح ونستبسل في الدفاع عن أرضنا ضدهم". تماشياً مع هذا الكلام أومأت المقاتلات برأسهنّ في إشارة إلى الموافقة على محتوى حديث فيان.

في أثناء حديث فيان، كانت زينب تستمع بكل إنصات. وبعد خمسة أشهر من انضمامها لوحدات حماية المرأة تغيرت نمط حياة زينب. وفي شهر كانُون الثّانِي ( يناير) أثناء تدريب عسكري، تعرضت لكسر في ساقها وهي تحاول تسلق حائط، والآن  تستطيع بسهولة التعامل مع البندقية.

وفي الوقت الذي كانت تتحدث فيه فيان روج آفا، سُمع نداء عبر جهاز اللاسلكي الذي يتموضع بجانبها. حيث تم استدعاء المقاتلات للجبهة، وذلك في موقع ليس بالبعيد عن مدينة سري كانيه، هناك تنشط معارك بصورة متقطعة، ومع ذلك فهنّ يحافظنّ على مواقعهنّ خشية من هجوم مباغت. وفي هذه اللحظة ارتدت زينب سري كانيه سترتها الواقية من الرصاص والتقطت بندقيتها الكلاشينكوف وحزام الرصاص، ثم صعدت بسرعة إلى سيارة الدفع الرباعي متجهة صوب الشمال.

المصدر:الغارديان

ترجمة: المركز الكردي للدراسات