بوتين يخسر رهان إعادة هيكلة الجيش في سوريا

الأربعاء 21-07-2021 | PM 07:55 بوتين في قاعدة حميميم

عبدالله الغضوي

منذ بداية الانتفاضة السورية في آذار/ مارس 2011 وحتى صيف العام 2015، فشلت الميليشيات الإيرانية إلى جانب الجيش السوري والميليشيات المحلية، في إعادة السيطرة على البلاد، على الرغم من العدد الهائل لمجموع هذه القوات أمام المتمردين الذين كانت حركتهم فوضوية في مقابل أجهزة أمنية وقوات منظمة، حيث سيطرت هذه القوات، المتمردة على النظام، على مساحات واسعة من سوريا. وبعد ما يقارب أربع سنوات من القتال الشرس بين المتمردين السوريين وداعميهم الدوليين والإقليميين من جهة، وبين النظام وحلفائه أيضاً من جهة ثانية، كادت سوريا أن تسقط بيد المتمردين لولا التدخل الروسي العسكري في سبتمبر العام 2015، وقد أكدت العديد من الروايات أهمية التدخل الروسي ودوره في إنقاذ النظام السوري ومعه إيران. ومن أبرز الروايات ما تم تداوله من زيارة قاسم سليماني – آنذاك- قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في يونيو (حزيران) 2015 إلى روسيا وإقناعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، بضرورة التدخل في سوريا.وبشكل طبيعي أحدث التدخل الروسي العسكري تغيراً واضحاً في ميزان القوى على المستوى العسكري والسياسي والنفسي في سوريا، فالقوة العسكرية الروسية، خصوصا "الجوية"، أحدثت فارقاً كبيراً في ميزان المعارك بين المعارضة المسلحة والنظام والميليشيات الإيرانية، فضلاً عن دخول التقنيات العسكرية على أرض المعركة، حيث جربت روسيا أكثر من 200 نوع سلاح وفق تصريحات روسية رسمية.وعلى المستوى النفسي، فقد انكسرت معنويات الثوار خصوصا بعد سقوط حلب الشرقية في نهاية العام 2016، ودخول الشرطة العسكرية الروسية إلى مدينة حلب في إطار مهمة حفظ الأمن. رافق التدخل العسكري الروسي في سوريا، مشروع إعادة ضبط الأوضاع الأمنية والعسكرية في سوريا، حتى تقول روسيا للدول الغربية إنّ تدخلها كان إيجابياً من أجل ضبط الفوضى في سوريا بعد أربع سنوات من الحرب، وتُقلل الاعتراضات الدولية، وذهبت إلى العمل في سوريا وفق مسارين رئيسين:المسار الأول: كان مساراً تكتيكياً مبدئياً، لإعادة السيطرة الأمنية حيث تركز على مدينة حلب بعد سقوط المعارضة المسلحة نهاية العام 2016، وأوفدت الشرطة العسكرية الروسية من الكتيبة الشيشانية، وهي كتيبة مهنية ذات انضباطية متخصصة في المصالحات، وتأسست حديثاً في العام 2000، وتم دمجها في الشرطة العسكرية الروسية التي تأسست في العام 2011. وفي مارس 2016، أي قبل سقوط حلب الشرقية بيد الجيش السوري وحلفائه، وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على النظام الأساسي للشرطة العسكرية لتكون أول مهماتها في حلب الشرقية، خصوصا الكتيبة الشيشانية ذات البعد السنّي، لإبعاد المخاوف السنية في حلب من هيمنة النفوذ الإيراني، الشيعي، التي شاركت أيضا في معركة حلب، وكانت الفكرة الروسية هي إعادة الأوضاع الأمنية والحياة الطبيعية إلى سوريا، من خلال اختيار الشرطة العسكرية والكتيبة الشيشانية تحديداً. وعلى الرغم من الدور الذي لعبته الشرطة العسكرية الروسية في ضبط الأمن، إلا أن هذا المسار التكتيكي لم ينجح في سوريا، فالنظام، بفضل أدواته الأمنية بالتعاون مع إيران، (بشكل غير مباشر)، حاول عرقلة سير عمل الشرطة العسكرية، حيث ظلت أعمال خطف المدنيين قائمة على يد ميليشيات الدفاع الوطني الذي يترأسها اللواء بسام الحسن، أحد أبرز المقربين من الأسد، بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية، ولم تستقر الأوضاع الأمنية في حلب، وكان الهدف الرئيس تحجيم المصالح والطموحات الروسية في السيطرة على الأجهزة الأمنية والجيش السوري، وإفشال طموحاتها بالنجاح الأمني في سوريا. وعلى الرغم من المناهضة السورية الإيرانية للهيمنة الروسية، إلا أن موسكو لم ترغب بالاصطدام مع الميليشيات الإيرانية وميليشيات النظام، وحاولت أن تنهي عمل الشرطة العسكرية دون تصعيد. ولم يتوقف الصراع في مدينة حلب بين الروس والإيرانيين، خصوصاً الصراع على مطار حلب، الذي كان من نصيب الميليشيات الإيرانية باعتباره خارج مدينة حلب، وقد كانت البعثات العسكرية الإيرانية والميليشيات العراقية وقادتها تأتي بشكل مباشر إلى مطار حلب دون التنسيق مع الروس.وضغطت إيران من خلال أذرعها في حلب، بافتعال اشتباكات متفرقة مع عناصر سورية موالية لروسيا وأيضاً عناصر من الجيش الروسي والشرطة العسكرية، وظلت حلب في حالة من الغليان إلى أن غادرت الشرطة العسكرية. ونتيجة التوتر المتواصل بين الروس والإيرانيين في مدينة حلب، والاشتباكات بين روسيا من طرف وأذرع إيران والنظام السوري، من طرف آخر، طوال العام 2017، حتى أواسط العام 2018، فضلت روسيا عدم الاصطدام، وإنهاء مهمة الشرطة العسكرية، بعد أن أدركت أن التعايش مع الميليشيات الإيرانية وبعض الميليشيات المحلية السورية فكرة صعبة، واللافت بعد خروج الشرطة العسكرية الروسية من حلب لم تسجل حوادث خطف واشتباكات على الإطلاق في حلب كما كان الحال خلال الوجود الروسي، إذ كانت الرسالة لروسيا، من النظام والإيرانيين، أنها لن تتمكن من إعادة الأمن أو تغيير القواعد الأمنية. وبالفعل أحبطت إيران وأذرع النظام الأمنية كل المحاولات الروسية في بسط السيطرة الأمنية.

 

صراع النفوذ

كانت هذه الحقبة بداية الدخول الروسي في تفاصيل الحالة السورية العسكرية، إذ تبين لاحقاً أن الخبرة الروسية بالجيش السوري ليست بمستوى الحليف التاريخي وبمستوى الطرف المسلح للجيش السوري، حيث اقتصر الدور الروسي على منع سقوط النظام، وليس إعادة تأهيله، إذ أن النظام السوري ذاته كان يريد التملص من الهيمنة والقبضة الروسية بأية طريقة، وفي بعض الأحيان شاكس النفوذ الروسي عبر الميليشيات والذراع الإيرانية، وقبلت روسيا بهدوء هذا التعايش مع نظام مشاكس وأمن هش وميليشيات منفلته، لكنها تحتاجها في الوقت ذاته في معارك كبرى تكون فيها روسيا الرابح الأكبر على المستوى الإقليمي والدولي.

في موازاة المسار التكتيكي الأول، وضعت روسيا مساراً ثانيا أكثر أهمية؛ تركز على إعادة هيكلة الجيش السوري وتأسيس فيلق جديد هو الفيلق الخامس وتأهيل ما تبقى من قطاعات الجيش السوري. وبالفعل بدأت روسيا بشكل جدي في إعادة هيكلة الجيش السوري، حيث كانت الفكرة الروسية أن يكون اعتماد الجيش السوري على نفسه وتقويته، على أن تكون المرجعية العسكرية للروس، مقابل النفوذ الإيراني ونفوذ الميليشيات ومواجهة الفصائل المعارضة، لأن القوة العسكرية – آنذاك- في نهاية العام 2016 هي عامل الفصل في الصراع السوري، لكن هذه المساعي الروسية في بناء الجيش كانت مهمة شبه مستحيلة بسبب طبيعة الجيش السوري غير المنضبطة وتدخل عوامل أخرى منها الصراع مع طبقة الفساد وتخريب إيران لبسط النفوذ الروسي على أهم ركن من أركان النظام السوري، فاصطدمت المساعي الروسية بتفاصيل الدولة العميقة السورية المتجذرة في الجيش والأمن.عملت روسيا على تعيين العميد "آصف الدكر"، في العام 2018 رئيسا لـ"الفرع 293" المسؤول عن مراقبة تحركات ضباط الجيش والأمن ورئيس لجنة مكافحة الفساد، وهو ضابط ملتزم لم يتورط بجرائم خلال الاحتجاجات ودرس لخمس سنوات العلوم العسكرية في روسيا ومعروف من قبل وزارة الدفاع الروسية بالانتماء إلى روسيا.وقد كان تعيين الدكر في موقع رئيس لجنة مكافحة الفساد، رسالة قوية وحازمة من روسيا إلى الميليشيات إيران وجناح الفساد في الجيش والأمن السوري، لذلك اتجهت إيران إلى الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد وهي القوة الضاربة في الجيش السوري من أجل مناهضة المشروع الروسي، وتم استثناء هذه الفرقة من عمليات الهيكلة الروسية لتكون في الضفة المقابلة لروسيا مع إيران تقاوم عمليات إعادة الهيكلة.وأخضعت روسيا جميع الضباط السوريين للمحاسبة بالتنسيق بين آصف الدكر والعماد الروسي "يوركي"، الذي يشرف مع "الدكر" على كل تفاصيل إعادة الهيكلة، ونفذت حملة اعتقالات واسعة لما يقارب 190 ضابطاً من الجيش ووزارة الداخلية بمناصب حساسة، بتهم الفساد معظمهم من الطائفة العلوية، وقد كانت خطوة جريئة من روسيا لإرسال رسالة إلى كل أركان الجيش أنها تقف ضد محاولات "تطييف" الجيش أو "تسييسه" . وتطور الأمر في المحاسبة الروسية لضباط وعناصر الجيش السوري، حيث تمت معاقبة عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق بعد عمليات سلب ونهب لمنازل المدنيين إثر دخول الجيش السوري والشرطة العسكرية الروسية إلى المنطقة، وكانت هذه الحادثة من بين عشرات الحوادث التي رسخت قناعة روسيا بصعوبة إعادة تنظيم وتأهيل الجيش السوري الذي اعتاد طوال سنوات الحرب على السرقة، بسبب تدني الرواتب، واستراتيجية النظام لحصول هؤلاء العساكر على مصدر مادي آخر، في ظل العجز عن دفع الأموال للجيش خلال سنوات الحرب. واستمرت روسيا بالعمل على مشروع الهيكلة وأبعدت وكلاء إيران، من بينهم العميد "غسان بلال" مدير مكتب "ماهر الأسد" ومسؤول مكتب الفرقة الرابعة الأمني، ونقلته إلى قيادة المنطقة الجنوبية في 2018، وتم عزل مدير كلية الحرب الإلكترونية، وتعيين "سامي محلا" في إدارة التجنيد العامة، وجرى تفكيك العديد من الميليشيات الإيرانية؛ لتخفيف تهميش الجيش السوري، من بينها تفكيك ميليشيا "أبو الفضل" وتسليمها للفيلق الخامس، وميليشيا "درع القلمون" الذي كان يقودها "فراس جزعة" الممول من إيران، والمتهم بجرائم ضد المدنيين، وكذلك تفكيك ما يسمى بـ"كتائب البعث" بقيادة "بركات بركات" أحد أذرع إيران.

أما على مستوى هيكلة القطعات العسكرية، أصبحت الألوية ( 155- 156- 157 )، وهي ألوية صواريخ في القطيفة والسويداء، تحت الإشراف الروسي المباشر، ولم يعد يمكن للجيش السوري إطلاق أي صاروخ من دون علم روسيا، وأيضاً سلحت روسيا بشكل خاص اللواء 88 في منطقة غباغب التابعة لمحافظة درعا تسليحاً يضاهي تسليح الحرس الجمهوري، حيث تم تزويده بعربات (بي إم ب) النسخة الرابعة، بينما لا يملك الحرس الجمهوري سوى النسخة الأولى.

 

الحركة المضادة

نتيجة هذه الإصلاحات الروسية، بدأت حركات مضادة للروس، حيث واجهت روسيا في هذه الحقبة تحديات كبيرة في مشروع هيكلة الجيش، على المستويات كافة، بما فيها التمرد من داخل الجيش السوري على الأوامر الروسية، وعدم الانضباط بالتوجيهات الروسية. وقد وقعت حوادث سرقة سلاح روسي ما جعل الروس يراجعون حساباتهم، بعد أن أدركت صعوبة مهمة إعادة هيكلة الجيش.ومن هذه الحوادث التي غيرت البوصلة الروسية، حين أقدم العميد محمد عيسى على سرقة سلاح اللواء (اقتحام) في الساحل السوري، التابع للفيلق الخامس وبيعه إلى حزب الله (مصدر خاص)، وقد أدى هذا إلى جدل كبير في وزارة الدفاع الروسية أفقدها الكثير من الثقة بضباط الجيش السوري.وتكررت حوادث سرقة أسلحة الجيش الروسي في أكثر من موقع، وآخرها سرقة جنود سوريين بالتنسيق مع حزب الله، مقرات للروس في البوكمال، وبيع السلاح الروسي في السوق السورية السوداء، فضلا عن حوادث فساد كثيرة ضمن نطاق الجيش.وفي أيار/ مايو من العام 2018 أثار فيديو مصور فضيحة في روسيا وسوريا، حيث أظهر توبيخ الجيش الروسي لجنود من جيش الأسد في ريف دمشق وهم يحاولون سرقة ممتلكات المدنيين.

من جوانب اصطدام الروس لاحقاً مع الميليشيات المدعومة من إيران، اكتشاف أن طائرات الدرون التي تستهدف قاعدة حميميم العسكرية في اللاذقية، مصدرها قرية البسطة في اللاذقية، حيث معمل قديم للبطاريات تابع لأحد شخصيات الدفاع الوطني "جهاد بركات"، وهو من المطلوبين للروس بسبب بعض الجرائم وتهم بالفساد، ما دفع روسيا لحل ميليشياته وملاحقته، فهرب إلى لبنان، ليعيش تحت حماية حزب الله. كل هذه الحوادث، وغيرها، منعت المسار الثاني من التوجهات الروسية في إعادة هيكلة الجيش السوري والسيطرة على مفاصل الحياة الأمنية، وكانت هذه الاعتراضات والمشاكسات ضد روسيا من داخل المؤسسة العسكرية، وبتحريض إيراني أحياناً، نهاية الفكرة الروسية في إعادة هيكلة الجيش، وبها انتهى دور آصف الدكر، ولم تعد له أية أهمية أو حتى عمل وفق المهام الروسية، فقط مسؤول الفرع 293، لكنه ليس الأقوى في منظومة حكم الأسد وخصوصا في الجيش رغم تمسك الروس ببقائه.بعد ذلك، اعتمدت على قواتها الخاصة وبعض القوى المسيحية في ريف حماة، وإدارة سوريا كما هي عليه، دون المحاولة في تحسين إدارة الجيش، وبناء قوة تابعة لها تخضع لإدارتها بعيدا عن وزارة الدفاع السورية، لكنها تحت مظلة الجيش السوري شكلياً.

نتيجة عدم الثقة بالجيش السوري، والتأكد من عدم كفاءته في المعارك، دفعت روسيا بالعديد من قواتها في سوريا، بسبب الخوف من تراجع وانهيار النظام عسكرياً، وقد وصل عدد القوات الروسية في سوريا حسب (تقديرات خاصة)، إلى 13 ألفاً من بينها الألوية (16 بحري – 336 بحري- 810 التابعين لأسطول البحر الأسود- اللواء 45 كوماندوس محمول جواً وهو من لواء القوات السهلية – الشرطة العسكرية الروسية – الكتيبة الفنية للقاعدة الجوية الروسية – القوات الصاروخية الاستراتيجية). وقد اعترف مسؤولون عسكريون روس بعدم كفاءة الجيش السوري وعدم القدرة على تأهيله خلال سنوات الحرب، كما أعلن قائد قوات المنطقة الجنوبية العسكرية في روسيا ألكسندر دفورنيكوف، حيث إن الإحباط وعدم كفاءة القيادة كانا متفشيين في الجيش النظامي السوري طوال النزاع.

 

البحث عن بدائل

زادت روسيا من عمليات بناء القوة الرديفة لها وتحت تدريبها، وأسست الفرقة 25 اقتحام التابعة للعميد سهيل الحسن، وقد أنفقت روسيا الكثير من المال والتجهيزات العسكرية على هذه الفرقة التي كان لها دور كبير في معارك ريف حماة في معارك ما يسمى المئة يوم، وأيضاً في معارك ريف إدلب، إذ كان الاعتماد الروسي على الجيش السوري النظامي ضعيف جداً، كما شكلت روسيا الفرقتين السادسة والثامنة بتجهيزات عسكرية روسية حديثة ومقاتلين تحت الإشراف الروسي لتكون قوتهم في حماة وريفها وكذلك في ريف إدلب، كما أسست اللواء 116 بقيادة صالح العبدالله، وهو من القيادات المهنية الذي حظي بدعم روسي أيضا، واعتمدت على هذه القوة في العمليات العسكرية ضد الفصائل في ريف حماة وإدلب.وعلى مستوى الميليشيات المحلية، ركزت روسيا على الميليشيات المسيحية في ريف حماة من دون المرور عبر وزارة الدفاع السورية، حيث تخلو كل الاجتماعات الروسية العسكرية مع الميليشيات المسيحية (الأرثوذكسية)، من حضور أي ضابط من الجيش السوري، وتتبع هذه القوات للقيادة الروسية في حميميم التي باتت تشكل عنوان الحضور الروسي في سوريا، وبدل الاعتماد على ضباط الجيش السوري أصبحت تعتمد على شخصيات مسيحية من بينها نابل العبدالله وسيمون الوكيل وجورج حسواني وتأسيس شركات أمنية خاصة لحماية المنشآت الروسية من بينها شركة "صائدو الدواعش"، التابعة لـ"إلياس سركيس" في السقيلبية في ريف حماة، وشكرة سند وشركة اتحاد سلاف شرق حمص، فيما تم تعزيز التواجد الروسي العسكري بعد القناعة بصعوبة إصلاح الجيش السوري.ومن التحديات الأخرى، تنامي فكرة الميليشيات المحلية على حساب الجيش السوري، خصوصاً المرتبطة بإيران أو المرتبطة بالدفاع الوطني (الشبيحة سابقا)، ما شكل عامل تفتيت لقوة وأهمية الجيش السوري.تفيد بعض التقديرات بأن القيادة المركزية السورية كانت في سنة 2018 تسيطر بالكامل على ما يتراوح بين 20 ألف و25 ألف من الجنود والضباط، في حين أن عدد رجال الميليشيات المختلفة الموالين للحكومة الذين يعملون في سوريا كان يصل إلى ما يتراوح بين 150 إلى و200 ألف.

الواقع أن روسيا لم تحقق مصالحها عبر الجيش السوري، بقدر ما حقق الجيش السوري مصالحه من انتزاع العديد من مناطق المعارضة، وحتى حين احتاجت روسيا الاعتماد على قوات من أجل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في النفط والغاز، استعانت بعناصر روسية خاصة على سبيل المثال شركة فاغنز، حيث تشير التقديرات إلى وجود 1500 إلى 2000 مقاتل ينتشرون بشكل أساسي في محيط حقول الغاز والنفط مثل حقل الصفية والحواطة وحقول العمية في حمص وخنيفيس وحقل الشاعر، وكذلك ينتشرون في المواقع الأثرية في تدمر، هذا الانتشار الذي يستهدف وسط سوريا كان بعيداً عن الجيش السوري تماماً ومن دون أدنى اعتماد بعد أن فقدت الثقة بتنظيم وهيكلة هذا الجيش.لقد شعر النظام السوري بالقلق من المشروع الروسي في إعادة هيكلة الجيش، وفي حين كان النظام يحتاج إلى بناء الفيلق الخامس على يد الروس، إلا أنه رأى في هذا الفيلق خطراً على النفوذ داخل الجيش، فعمل على إرسال من تصل أعمارهم الأربعين فما فوق، وأبقى على توزيع الشباب المقاتلين المتحمسين القادرين على خوض معارك في الدفاع الوطني وبعض الميليشيات المحلية المرتبطة الإيرانية التي تقاتل إلى جانب الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد.

تزايد شعور النظام بالقلق من توسع النفوذ الروسي العسكري، خشية من تقلب المزاج والميزان الدولية واحتمال تفكير روسيا بمساومة على النظام سواء على المستوى الإقليمي أو على المستوى الدولي، لذلك اعتمد النظام في العام الماضي على ترسيخ النفوذ العلوي بتعيين 40 ضابطاً علوياً في مراكز القيادة في الجيش والاستخبارات خشية من توغل النفوذ الروسي ومنع روسيا من عقد أية صفقة تقفز على منظومة الجيش والأمن. أما روسيا، فلم تعد قادرة على اللعب على كل الخيوط، إعادة الهيكلة وضبط النفوذ الإيراني وتوسيع سيطرة قوات النظام من أجل الحصول على مكاسب سياسية سواء من الجانب التركي أو الأمريكي، وتنازلت – بعد الفشل- عن مشروع إعادة هيكلة الجيش، لكنها أضاعت فرصة ذهبية بعيدة المدى للسيطرة على سوريا على المستوى الاستراتيجي العميق، إذ تبين أن عقود الصداقة مع الاتحاد السوفييتي على المستوى العسكري لم تكن متجذرة في النظام السوري بقدر تجذر المصالح الطائفية بالإضافة إلى مصالح منظومة الحكم.ولم يعد أمام روسيا إلا السير مع الأسد على الرغم من كل المصاعب والتعقيدات في العلاقة معه على المستوى السياسي والعسكري، ذلك أن الأسد بات ورقة بيد روسيا وهذا ينطبق على الحالة الإيرانية، وبالتالي لا خيار لها بتحدي منظومته العسكرية حتى لا يهرب باتجاه إيران التي تسعى أيضا لإحكام السيطرة على القرار العسكري والأمني وحتى السياسي.. ومات مشروع إعادة الهيكلة إلى غير رجعة.

 

* نشر الكاتب هذه المادة في معهد الشرق الأوسط:https://www.mei.edu/

أحدث الدراسات