إيران التي اهتزت أمام قصيدة أردوغان

الإثنين 14-12-2020 | PM 07:59 صورة أرشيفية

د. آزاد علي

لا تخلو جذور دولتي تركيا وايران الراهنتين من التطرف، فقد تأسس نظام الحكم فيهما على أرضية قومية – دينية اسلامية، وذلك بدرجات من المبالغة والتشدد المتباينتين، بحسب مستلزمات الحرب ودرجة التوترات التي كانت تحيط بأنظمة الحكم فيهما.

تركيا وايران دولتان تأسستا على أرضية التخندق وثقافة التطرف، بدءا برموز علم البلدين وانتهاءا بتصدر شخصيات سياسية وعسكرية متشددة الخط الأمامي في الجبهتين السياسية والعسكرية، اذ تمارس هذه الشخصيات تطرفا فكريا وسياسيا لتحقيق منجزات مؤقتة، ولتمرير برامج محددة.

قبل سنوات قليلة ساهمت ادارة الديمقراطيين بقيادة أوباما بعد عام 2008 في التشجيع على الانعطافة الإسلامية لكلتا السلطتين، وان جاءت أمريكياً وأوربياً تحت عنوان ملتبس هو التشجيع على (الإعتدال الاسلامي ولإفساح المجال أما أحزاب الاسلام السياسي لترسيخ مواقعها في سلطة البلدين).

وعلى الرغم من اشكالية هذا التوجه، فلم تحقق سلطات البلدين توقعات بعض منظري السياسة الأمريكيين والأوربيين، إذ لم تمارس سلطات انقرة وطهران أي اعتدال سياسي تحت رداء الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني، بل سعت الأوساط النافذة في طهران وأنقرة لتعزيز مواقع المنظمات الاسلامية التابعة لها ضمن ساحات الصراع مع الجهات الأخرى، حتى بات من البديهيات أن سلطات انقرة وطهران تدعم عشرات الجماعات المتشددة والمسلحة في كافة ارجاء العالم.

هل حدث ذلك مصادفةً؟ لا بالتأكيد، ولكنه لم يكن مخططا محكما ولا مؤامرة متقنة، سوى أنها محاولة لتوظيف سلطات غير شرعية، ودكتاتوريات تجتر مشروعيتها من الماض القومي حينا، ومن التمثيل المذهبي الاسلامي حينا آخر.لقد بينت التجارب في عالمنا المعاصر أن الدول التي تأسست على المشروعية القومية تسبب معضلات مزمنة للجوار، كما أن تلك التي تتبنى المشروعية الدينية تظل معضلة عالمية، فصلب مشكلة العالم المعاصر مع سلطات طهران وأنقرة في هذه المرحلة تكمن في أنهما يمزجان المشروعيتين والخطابين الديني والقومي، وهذا مدخل لتفجير المزيد المشكلات، وحتى الحروب مع العديد من الشعوب والدول القريبة والبعيدة من جغرافيتهما، وما حرب تركيا عبر دعمها لأذربيجان ضد أرمينيا إلا مقدمة مشجعه لها على خوض حروب قادمة...

من المتوقع لنظامين سياسيين يخلطان خرافات الماضي بالسياسات المعاصرة، وتتداخل عندها عمليات تخصيب اليورانيوم بالمهدي المنظر، وكذلك العثمانوية الميتة بالطموحات الكولونيالية التركية الجديدة، ومن المفترض لكل هذا الكوكتيل المتنافر التركي - الايراني أن يكون مقدمة لنتائج متفجرة ومدمرة على العديد من المجتمعات الاسلامية والساحات الاقليمية. فقد دفعت ضريبتها وستدفع العديد من الدول والمناطق كوارثا وتناحرا.

وما الانهيار في النظام العربي بدءا من الامارات و وصولا الى المغرب، والاستسلام التام للإرادة الاسرائيلية والامريكية إلا أحد هذه النتائج، فضلا عن أن هذه السياسات القلقة قد تسببت في حصد الملايين من الضحايا سواء كجرحى ومعوقين أو قتلى ومشردين في المجتمعات العربية و كذلك في العديد من المناطق والدول الاسلامية.

ما يمكن التكهن به في قراءة مستقبلية واستشراف أولي، أنه لن تبقى ايران وتركيا بمعزل عن تأثيرات السياسات المتطرفة لحكامها، لا شك ان مجتمعات تركيا وايران دفعت ضريبة هذه السياسات المتشددة البعيدة عن مطالب واحتياجات جماهيرها وابناء شعوب المنطقة، لكن قد تسبب الشحنات الأكثر تطرفا للحكام الشعبويين في ايران وتركيا ضررا بالغا ومباشرا على شعوبها، وقد نشهد أحداثا تؤثر سلبا على الحكام انفسهم وانظمة الحكم في انقرة وطهران لن تبقى بعيدا عن التصادم المباشر بينهما، اذ جاءت تصريحات وأشعار اردوغان القومية الحماسية في العرض العسكري الذي جرى في باكو يوم الجمعة 11/12 /2020، والذي تغنى بصيغة أو أخرى بمجد الشعب الآذري التركي، وحرض على الوحدة بين اذربيجان المستقلة حاليا واذربيجان الداخلة ضمن حدود ايران وتكوينها السياسي الراهن.

لقد سببت أشعار وفيض أحلام أردوغان القوموية المزيفة أزمة دبلوماسية بين البلدين وردود فعل سياسية ونخبوية حادة في ايران، لدرجة أن كانت عناوين الصحف الايرانية في اليوم التالي قوية وتحريضية ضد أردوغان وتركيا، فضلا عن استدعاء كل منهما لسفير الدولة الأخرى.

قد يكون هذا الحدث سحابة عابرة كما وصفها العديد من المحللين، لكن يمكن الافتراض بأن التطرف الدافع لقوة سلطة كل من أنقرة وطهران، قد تسبب تصادما بينهما بعد أن وزعوا عنفهم وجيوشهم وحروبهم، ووجهوا نيران أسلحتهم على رقعة واسعة من دول المنطقة، "فالنار قد تأكل بعضه إن لم تجد ما تأكله" كما قيل سابقا.

هل هذه الحكمة هي التي تكبل الاوربيين والأمريكيين؟ وحتى الروس، ويتنظرون أن تأكل نيران تركيا وايران أجساد حكامها، أم أن توظيف التطرف القومي والمذهبي لدى الحكومتين مازال قيد الاستثمار، وفي منتصف الطريق؟

لقد هز بيت شعر واحد عرش طهران، وعم الاضطراب الكيان الايراني فردة فعل حكام طهران على أردوغان أكبر وأبعد من قصيدة شعر، أنه تعبير عن الهشاشة المفرطة والقلق المزمن.

 

-- د. آزاد علي: باحث وأكاديمي سياسي