الإندبندنت : يجب ألا ننسى أسوأ جرائم ترامب .. السماح بالتطهير العرقي ضد حلفائنا الكرد في سوريا

الأحد 29-11-2020 | PM 11:49 عفرين

باتريك كوكبورن

إن أسوأ جريمة ارتكبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال سنوات وجوده في البيت الأبيض كانت في أكتوبر 2019، وهو أمره للقوات الأمريكية بالتنحي جانبا، تاركة تركيا تقوم بغزو شمال سوريا ما أدى إلى ارتكاب جرائم قتل واغتصاب وطرد السكان الكرد، وقبل ذلك بثمانية عشر شهراً،لم يحرك ترامب ساكنا عندما احتل الجيش التركي جيب عفرين الكردي واستبدل السكان هناك بالجهاديين العرب السوريين، ولكن للأسف لا يوجد احتمال أن تتم محاكمة ترامب بسبب تلك الجريمة، ولكن إذا حدث، فإن لائحة الاتهام يجب أن يتصدرها تواطؤه في جرائم التطهير العرقي ضد الكرد السوريين، فقد كان ذلك كان هذا بمثابة الكارثة ، علاوة على انه جريمة خيانة ضد حليف لنا، حيث قاد المقاتلون الكرد السوريون المدعومون من الولايات المتحدة الهجوم المضاد ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وقاموا بتضييق الخناق على معاقله الأخيرة في الوقت الذي قامت فيه تركيا بغزو عفرين.

ولم تثر تلك الجريمة التي ارتكبها ترامب، إلا القليل من الغضب، على المستوى الدولي، لكني متأكد من أنها كانت سببا مباشرا في قتل وخطف واختفاء وطرد مباشر لمئات الآلاف من الأشخاص، وإذا كانت مأساة بهذا الحجم غير واضحة، ربما لأن الناس لا يفهمون الفظائع التي لا يتعرضون لها بشكل شخصي، وتتسبب في تدمير حياة العديد من الأفراد، كما يحاول مرتكبو جرائم العنف، ومن يغض الطرف عنهم مثل ترامب تعكير صفو الأمور، عن طريق نفي لن يصدقه أحد، إلى أن ينشغل الناس بباقي أجندة الأخبار اليومية، ولا يتذكر أحد تلك الجرائم إلا الضحايا الذين تعرضوا لها

لقد كتبت كثيرا عن جرائم التطهير العرقي الذي تعرض له الكرد في منازلهم ووطنهم في شمال سوريا من قبل تركيا في غزوين منفصلين خلال عامي 2018 و2019، ولكن دون أي نتيجة ملحوظة، حيث أنه من المستحيل ان يستطيع اي مراسل مستقل زيارة مدينة عفرين، أو أي منطقة تحتلها تركيا بجوار تل أبيض ورأس العين، لكنني خلال الأسبوع الماضي، استطعت أن اتصل من خلال الإنترنت بشاهدة عيان في عفرين قدمت رواية رواية مروعة ولكن مقنعة عن تجربتها الشخصية في التطهير العرقي، وكان اسم شاهدة العيان روهلات حوار، وهي امرأة كردية تبلغ من العمر 34 عاماً، لديها ثلاثة أطفال، وعملت مدرسة للرياضيات في عفرين قبل الهجوم التركي، كما حاولت الهروب من المدينة في فبراير 2018 بسبب الغارات الجوية التي تشنها تركيا بشكل يومي، ولكن تم منعها من دخول الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة السورية لكي تمر إلى منطقة تتمتع بحكم ذاتي كردي

وعادت روهلات إلى عفرين، ووجدت منزلها وقد تعرض للسرقة وأصبحت محاصرة، حيث باتت الميليشيات الجهادية السورية المدعومة من تركيا تطلق النار على أي شخص يحاول مغادرة المدينة، وروت أن صديقة لها قد لقيت حتفها، العام الماضي، خلال محاولتها الفرار مع طفلها البالغ من العمر 10 سنوات، وفي نفس الوقت جعل عناصر الميلشيات حياة الكرد مستحيلة، وباعتبارها إحدى السكان الكرد القلائل الذين بقوا في الحي القديم، بعد استيلاء الجهاديين العرب وأسرهم على المنازل، تروي روهلات أنها لا لا تجرؤ على التحدث باللغة الكردية في الشارع، وأن الجيش التركي يعتبر جميع الكرد إرهابيين، لكن عناصر الميليشيات أكثر خطورة، لأنهم يرون الكرد وثنيين كفار يجب قتلهم بحسب كلام الله، واضطرت روهلات لارتداء الحجاب، الذي لا ترتديه النساء الكرديات عادة، وذلك بعد أن تعرضت لمضايقات لمدة سبعة أشهر من جيران جهاديين، وطلبت المساعدة من ضابط تركي لكنه أخبرها أن عليها احترام القيم الاجتماعية، ولذا اضطرت أن تردي الحجاب، وقالت إن اطفالها ضحكوا وسخروا منها في البداية، لكنهم اعتادوا على الوضع فيما بعد

ويعد الكرد الذين نجوا من القتال، ولا يزالون يعيشون في عفرين عزل ولا حول لهم ولا قوة، ويعتبرون هدفا لعناصر الميليشيات، وتروي روهلات أنها عند ذهابها إلى السوق في وقت سابق من هذا الأسبوع، رأت فتاتين كرديتين تسيران، ومر اثنان من عناصر الميليشيا المسلحة على دراجة نارية ببطء إلى جانبهما، وفجأة اقتربت الدراجة النارية من الفتاتين، وأمسك عناصر الميليشيات بصدر إحداهن، فبدأت الفتاتين بالبكاء، ونزل عناصر الميليشيات من الدراجة النارية وبدأوا في تقبيلهن ومداعبت صدورهن، ولم يغادروا إلا عندما تجمع حشد من الناس، ثم اسطحبت روهلات الفتيات إلى منزلها، وفي إحدى المرات، كانت روهلات تشتري الخبز من السوق، ورأت مسلحاً إسلامياً يأمر عامل كردي في مطعم بمغادرة المدينة، وعندما اعترض الكردي لأنه ليس لديه مكان آخر يذهب إليه، صفعه المسلح وقال: "الكرد وثنيون وكفار"، وذلك رغم أن جميع الكرد، تقريبا، من المسلمين السنة

وفي المنطقتين الكرديتين سابقاً في سوريا، دائما ما كانت الميلشيات العربية تتقدم قوات الاحتلال التركي، ومعظمهم عناصر تلك الميلشيات من الجهاديين من أماكن أخرى في سوريا،وكان أغلب الكرد في عفرين من المزارعين، وكانوا يزرعون الفواكه والخضروات، وقبل كل شيء الزيتون، لكن روهلات قالت إن المستوطنين الجدد هم من سكان المدن، لذلك قاموا بقطع أشجار الزيتون وبيعها كحطب، ما نتج عنه زيادة في استيراد المواد الغذائية وبيعها بسعر أعلى، وقامت الحكومة التركية بتسليم المناطق الكردية إلى مسلحين إسلاميين مناهضين للكرد، حتى تضمن حدوث عمليات تطهير عرقي، دون أن تقع عليها مسؤولية مباشرة، وحتى وقت قريب، كانت تركيا تدفع لعناصر الميليشيات 100 دولار شهرياً، ولكن كان بإمكانهم زيادتهم من خلال عمليات سرقة الممتلكات الكردية ومصادرتها في حين يغض الجيش التركي الطرف عن تلك الجرائم، ولكن منذ أغسطس الماضي، تم خفض رواتب أفراد الميليشيات، وقامت دوريات الجيش التركي بالحد من عمليات النهب والسرقة، لإقناع عناصر الميليشيات بالتطوع للقتال في ليبيا وضد الأرمن في ناجورنو كاراباخ، وشهدت روهلات العديد من خيام الحداد التقليدية للعناصر الذين لقوا حتفهم في القتال في الخارج، رغم دفن الجثث في الخارج وبغض النظر عن انعدام الأمن، كان على روهات أن تتعامل مع الانتشار السريع لفيروس كورونا في عفرين منذ أغسطس. وقد أصيبت بالمرض، بعد أن ظهرت إيجابية الفحص في منشأة طبية تركية، لكنها تقول إنها وكثير غيرها لن يذهبوا إلى مستشفى عسكري لتلقي العلاج لأن القليل فقط يعودون أحياء، وبدلا من ذلك، يبقون في المنزل، ويتناولون دواء الباراسيتامول والعدس وحساء البصل، كما أنها لا تستطيع شراء أقنعة الوجه، وتشتري الخبز فقط لأن أطفالها يقومون ببعض الأعمال في السوق، كما ان أقاربها في تركيا يرسلون لها القليل من المال كل شهرين، ورغم ان روهات تحيا حياة مروعة، إلا أنها واحدة من الذين استطاعوا النجاة، في حين نجح آخرون في الفرار، ويعيشون في مخيمات غير صحية، أو قُتلوا، أو احتُجزوا من اجل فدية، أو اختفوا، كما أن الحملة التركية ضد الكرد السوريين البالغ عددهم 3 ملايين ليس من المحتمل أن تخف حدتها، بل على العكس هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشن غزو آخر من شأنه أن ينهي مهمة التطهير العرقي للكرد

لكن الأخبار السارة هي أن رحيل دونالد ترامب، ومجيء جو بايدن كرئيس للولايات المتحدة يقلل بشكل كبير، على الرغم من أنه لا يلغي، فرص قيام الولايات المتحدة في الموافقة على قيام تركيا بأي عملية توغل أخرى في المنطقة، ومع مغادرة ترامب وإدارته الفاسدة، لا ينبغي أبداً أن ننسى أو نغفر أن سياسته المجنونة في سوريا قد تسببت في بؤس لا أبدي لأعداد كبيرة من الناس الذين كانوا يعيشون سعداء ذات يوم.

صحيفة الإندبندنت

ترجمة : محمد عبد العزيز