ديلي بيست: زيت الزيتون في المتجر المجاور ربما يمول أمراء الحرب في سوريا

الخميس 26-11-2020 | AM 11:08 زيتون عفرين

ماثيو بيتي

يعيش نضال شيخو- السوري الجنسية- في منفاه في ولاية نيويورك الأمريكية، وعندما وجد أحدَ محلات البقالة هناك يبيع زيتَ الزيتون القادم من مدينة عفرين، مسقط رأسه، التي تعدّ مدينةَ الزيتون المقدسة في سوريا، وتشتهر منتجاتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، كان يجب أن يشعر بالسعادة، لكن "عفرين" الآن في حالة حرب، حيث تعرضت للغزو والاحتلال التركي، في الهجوم الأول ضمن عمليتين عسكريتين قامت بهما تركيا، ضد الكرد، بموافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويعلم نضال شيخو أن الزيتونَ الذي صُنع منه الزيت، الذي يباع في مدينة سيراكيوز، شمال نيويورك حيث يعيش، سُرق من المزارعين الذين اعتادوا زراعته في عفرين على مدار أجيال، وقال نضال شيخو إنه شعرَ بالألم والحزن والحسرة بدلاً من السعادة.

ولسوء الحظ، فإن ما حدثَ لنضال شيخو لا يعد شيئاً فريداً من نوعه، فقد أجرى موقع "ديلي بيست" تحقيقاً كشفَ سرقةَ أمراء الحرب السوريين للزيتون وتهريبه إلى أوروبا واستخدامه لإنتاج الزيت عالي الجودة، واستغلال عائداته في تمويل وحداتهم القتالية التي تشارك في الحرب، وفي أوربا يتم تخزين زيتَ الزيتون وبيعه في محلات البقالة في جميع أنحاء أمريكا، من سيراكيوز إلى مدينة صغيرة في ولاية ماساتشوستس، إلى ضواحي مدينة أتلانتا، بولاية جورجيا.

وقامت القوات التركية بغزو سوريا مرتين، الأولى في عام 2018 ومرة أخرى في أكتوبر عام 2019، بموافقة شخصية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإلى جانب الميليشيات الموالية لتركيا، تم توجيه اتهامات للقوات التركية بسرقة مناطق ذات أغلبية كردية تقع تحت احتلالهم، وقالت مصادر متعددة لـ"ديلي بيست" إن أمراءَ الحرب المدعومين من تركيا يبتزون المزارعين المحليين ويفرضون عليهم الضرائب، ويسرقون محاصيل الزيتون بالكامل، وبفضل سياسة إدارة ترامب، يمكن للميليشيات الآن الاستفادة من عوائد بيع زيت الزيتون الذي يُباع على رفوف المحلات الأمريكية الكبرى، دون التعرّض لعقوبات اقتصادية أمريكية صارمة مفروضة بالفعل على سوريا.وتقول، "أفرين هوار" مالكة مزرعة كردية " تم تغيير اسمها الحقيقي من أجل الحرص على سلامتها " إن حصادَ محصول الزيتون هذا الموسم كان كابوساً، وأضافت لـ"ديلي بيست": " والله، معظم محصول الموسم تمت سرقته وحُرمت من مصدر رزقي".

والخميس الماضي، اتهم أعضاءٌ من المعارضة التركية وممثلو الصناعة التركية، أفراداً في البنك الزراعي في بلادهم بالسفر إلى نيويورك لمحاولة تسويق زيت الزيتون المسروق في الولايات المتحدة وفقاً لما ذكرته صحيفة "أحوال" التركية، ويبدو أنهم كانوا لا يعلمون أن المنتجَ الذي يريدون تسويقه يباع بالفعل في المحلات الصغيرة على هذا الجانب من المحيط الأطلسي.إن زيت الزيتون الذي عثرت عليه "ديلي بيست" في المحلات عبر الساحل الشرقي الأمريكي يأتي من مدينة عفرين، وهي مدينة جبلية شمال غرب حلب السورية، ووفقاً لبعض التقديرات، تبلغ عوائدُ صناعة الزيتون المحلية هناك حوالي 150 مليون دولار، وعمل بها حوالي 90% من سكان عفرين حتى في السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية.

وخلال الغزو الذي قامت به تركيا لمدينة عفرين في يناير 2018 كجزء من عملية عسكرية ضد المعارضين الكرد، قامت بتسليم المنطقة إلى تحالف من المقاتلين الإسلاميين يسمى الجيش الوطني السوري، وقد اتُهمت هذه الميليشيات، من قبل الأمم المتحدة والحكومة الأمريكية، بارتكاب جرائم حرب مثل النهب والاتجار بالبشر والتطهير العرقي والتعذيب، وقامت تلك الميلشيات بتمويل عملياتها من خلال السيطرة على صناعة الزيتون في عفرين، بمساعدة تركيا.

وقال وزير الزراعة التركي بكر باك ديميرلي أمام البرلمان في نوفمبر 2018: " نريد أن تكون عائدات عفرين لنا، بطريقة أو بأخرى، فهذه المنطقة تقع تحت سيطرتنا، وكحكومة، لا نريد أن تقع تلك العائدات في أيدي المتشددين اليساريين من الكرد"، وبعد فترة قصيرة من خطاب بكر باك ديميرلي، شكى سياسيون أوروبيون وممثلون عن صناعة الزيتون الأتراك من أن آلاف الأطنان من زيتون عفرين "المسروق" يتم تهريبه إلى الأسواق الدولية، ووُصف كذباً بأنه زيتون تركي.

وقامت شركة "توركانا فود"، وهي شركة تركية مستوردة للأغذية مقرها في نيوجيرسي بالولايات المتحدة، بالإعلان عن "زيت زيتون عفرين" في الكتالوج الخاص بمنتجاتها على الإنترنت، وعثر نضال شيخو، الذي عاش في عفرين من قبل، على زجاجة من زيت الزيتون الذي تحمل ماركة "توركانا" في محل بقالة سوري في سيراكيوز، بينما رصدت الباحثة المستقلة ميجان بوديت زجاجة أخرى تاريخ إنتاجها يرجع إلى أبريل 2019 في أحد محلات مدينة لويل، بولاية ماساتشوستس، كما أكدت موظفة في متجر "مخبوزات القدس"، الذي يقع في ضاحية روزويل في مدينة أتلانتا الامريكية أن متجرهم يبيع زيت زيتون عفرين، لكنها قالت إنها لا تعرف منشأه.

ومكتوبٌ على الزجاجات التي تحمل ماركة "توركانا" باللغة العربية، وليس الإنجليزية، أنها "منتج من عفرين، حلب، سوريا"، ونوع الخط الذي كتب به الكلمات على الملصق يشبه شعار علامة تجارية تم تسجيلها في محافظة هاتاي التركية، بالقرب من الحدود السورية، العام الماضي، تحت اسم غير معروف. وأكد عزيز، وهو مدير "سوق أبو العز الحلال" في مدينة لويل، لـ"ديلي بيست"، عبر الهاتف، أن زيتَ الزيتون تم نقله من سوريا إلى تركيا، وعندما سُئل عن مدينة عفرين أجاب بأنه لا يعرف أي شيء عنها. ولم ترد شركة "توركانا" على رسائل البريد الإلكتروني للتعليق على الموضوع، كما قال العديد من موظفيها عبر الهاتف إنهم غير مسموح لهم بالحديث إلى الصحافة، وقد تم وضع عنوان على زجاجات الزيت، وهذا العنوان مسجل باسم رجل الأعمال السوري - الدنماركي عارف حامد، الذي يبيع أيضا زيت زيتون عفرين في أوروبا تحت اسم العلامة التجارية "كفر جنة".

وتكشف محاولات تتبع مصدر زيت الزيتون عن عالم غامض من قادة الميليشيات والوسطاء الذين يستفيدون من مزارعي عفرين، وقد تم الاستيلاء على بعض مزارع الزيتون بشكل صريح. ويقول الناشط الحقوقي حسن حسن، الذي فقد بساتين الزيتون والرمان الخاصة به بعد فراره من المنطقة ويدير الآن منظمة عفرين لحقوق الإنسان من مكان آخر في سوريا، أنه خلال عام 2018، فرّ حوالي 150 ألف شخص من سكان عفرين من الغزو التركي، بينما استولت الميليشيات على ممتلكاتهم. وكتب حسن حسن في رسالة نصية: " كان لدى عائلتي إرثا، ورثه والدي عن جدي، الذي ورثه عن أجدادنا قبل قرون"، وأضاف أن والده مات لاحقا من الحزن.

وذكرت صحيفة "إيشا تايمز" لأول مرة في العام الماضي، أن تركيا والجيش الوطني السوري يسيطران على صناعة الزيتون المتبقية في عفرين بقبضة من حديد، ومنعوا المزارعين من بيع منتجاتهم في السوق المفتوح، وتم إرغامهم على تسليم جزء كبير من محصولهم إلى أمراء الحرب، الذين يفرضون على أصحاب الأراضي رسوماً لتصدير الزيتون، أو حتى لمجرد المرور إلى أراضيهم، بالإضافة إلى فرض ضريبة على الأشجار، وتختلف الرسوم باختلاف فصيل الميليشيا التي تسيطر على المنطقة، ولكن هناك شيء واحد ثابت، وهو إجبار المزارعين على بيع منتجاتهم إلى كيانات مدعومة من تركيا بأسعار قليلة.وتقول " أفرين هوار" إن ما يحدث هو شيء أقبح من السرقة، فهم لا يسرقون الزيتون ويصدرونه فقط، لكن كل شيء يُسرق من المواطن الكردي، فهم يسرقون جهده في العمل الشاق، وسبل العيش، والسعي والكرامة، وكافة الحقوق الصغيرة والكبيرة".وقالت أربعة مصادر من المنطقة إنه من المستحيل الآن نقل الزيتون من عفرين دون موافقة أمراء الحرب.ويقول هيجار سيدو، وهو مواطن سوري دنماركي تمتلك عائلته أشجار زيتون في عفرين: " يأخذون زيتنا من أشجارنا ويباع أمام أعيننا، ونحن محرومون منه، وعندما أرى أي رجل أعمال قد اشترى زيت الزيتون من عفرين، أشعر أنه يتاجر في ثروتنا المسروقة".واعترفت الشركات التي يظهر شعارها وعنوانها على زجاجات زيت الزيتون في الولايات المتحدة أنها تقوم بتصدير زيت الزيتون من عفرين، لكنها نفت أن الزيتَ يباع داخل الأراضي الأمريكية عن طريق شركة "توركانا فود"، التركية الأمريكية، فدور تركيا في عفرين هو موضوع مثير للجدل بين السوريين والكرد الذين تركوا بلادهم.

ومكتوبٌ على الملصق الخاص بزيت الزيتون عنوانٌ في الدنمارك، مسجلٌ باسم رجل أعمال سوري دنماركي يدعى عارف حامد، وأكد حامد أن مصدرَ الزيتون هو أحد مُصدري الزيتون المعروفين في عفرين، واسمه أزاد شيخو، وأضاف إنه يقوم بتسويق الزيت في أوروبا تحت العلامة التجارية المسماة "كفر جنة"، لكنه نفى بيعها إلى الولايات المتحدة من خلال "توركانا فود"، وبسؤاله عن طريق رسائل برنامج "واتس آب"، اعترف أزاد شيخو، التاجر في عفرين، بتصدير زيت الزيتون إلى أوروبا تحت اسم العلامة التجارية "كفر جنة"، لكن الرجلين (عارف حامد وأزاد شيخو) نفيا التعامل مع "توركانا فود"، قائلين إن الملصقَ الذي يحمل العلامة التجارية على زجاجات زيت زيتون عفرين، في الولايات المتحدة، يمكن أن يكون مزيفاً، كما يمتلك شريك شيخو التجاري السابق، سليمان رشو، علامة تجارية سورية لزيت زيتون عفرين، لكنه نفى أيضاً التعامل مع الأتراك، وادعى أن الملصقات على زجاجات الزيت قد تكون مزورة، وألقى باللوم على أشخاص مجهولين في تركيا قاموا بسرقة علامته التجارية، وهكذا نفى الثلاثة التعامل مع أمراء الحرب السوريين في تصدير الزيتون وزيت الزيتون.ويقول ماثيو توشباند مستشار مركز أرينت فوكس للمحاماة، ونائب كبير المستشارين السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية، إن سلطاتِ الحكم المدعومة من تركيا في عفرين لن تحمي المزارعين من الآثار السلبية لتجارة الزيتون، لكن الإدارة الأمريكية قد تساعد من خلال فرض قوانين العقوبات الأمريكية التي يمكن أن تمنحَ الحكومة الأمريكية سلطات لوقف "الصفقات التجارية مع كيان سوري متورط في أنشطة تتعارض مع السياسة الخارجية الأمريكية". ولكن إدارة ترامب لم تقم بفرض أي عقوبات على الجيش الوطني السوري، بينما أشاد مسؤولون أمريكيون بالعمليات العسكرية التركية في سوريا، باعتبارها بمثابة تحجيم هام للنفوذ الروسي في المنطقة، كما لقت عناصر من الجيش الوطني السوري دعماً أمريكيا في إطار كل من حملة مكافحة "داعش" وبرنامج سري لوكالة الاستخبارات المركزية لتقويض الحكومة السورية.ورفض متحدثون باسم وزارة الخزانة ووزارة الخارجية التعليق على ذلك، مشيرين إلى أن سياسات عملهم تمنع الحديث عن أي تحديد محتمل للعقوبات.

وبالنسبة لمعظم سكان عفرين، فإن الأمرَ لا يتعلق بالأمور بالجيوسياسية (أثر الجغرافيا والاقتصاد والسكان على السياسة) بل يتعلق بشريان الحياة الخاص بهم. وقال نضال شيخو، الذي عاش في عفرين، ويعيش الآن في شمال نيويورك: " شعرت بالألم والحزن والحسرة، ودمعت عيناي بسبب الظلم الذي تعرضت لها مدينتي ..عفرين " تحيا عفرين. تحيا مدينة الزيتون المقدسة".

 

ماثيو بيتي – موقع ديلي بيست

ترجمة محمد عبد العزيز