تركيا على وشك الانفجار

الأحد 22-11-2020 | PM 02:24 تركيا

مايكل روبن

مر 18 عاماً منذ أن تسبب حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان في حدوث صدمة للمؤسسة العلمانية في تركيا واكتسح السلطة، والواقع أن فوز الإسلاميين بأغلبية كبيرة في البرلمان التركي عكس بشكل أقل التوجه الديني للناخبين الأتراك في ذلك الوقت، لكنه كان نتيجة للشعور بالمزيد من الاشمئزاز من جانب الأتراك بسبب فساد المؤسسات وسوء الإدارة المالية للسياسيين الحاليين، وخلال الـ 18 شهرا الماضية، حدث في تركيا نزيف للاحتياطيات الأجنبية، ثم انخفضت الليرة التركية في يوم واحد في فبراير بنحو ثلث قيمتها مقابل الدولار الأمريكي.

وبالعودة السريعة إلى الوقت الحاضر: نجد انه في حين أن الطبقة الوسطى العلمانية رأت في أردوغان قصة نادرة للفساد المستشري في البلاد، فإن الرئيس الملياردير، اليوم يتمتع بشرف لا يمكن نكرانه بأنه قد أصبح السياسي الأكثر فساداً في التاريخ التركي الحديث، وقد يتجاهل الأتراك ذلك إذا لم يكونوا يعانون ماديا: فقد سجل تراجع الليرة التركية مؤخراً أسوأ أداء أسبوعي لها منذ أكثر من عقدين، وفي حين أنه بمجرد أن يتمكن أردوغان من إلقاء اللوم على البنية المؤسسية للدولة في الركود، فإن قبضته الديكتاتورية تعني أنه لم يعد قادراً على إنكار مسئوليته الشخصية عن ذلك، ويبدو أن الكثير من جهوده لإشعال الصراع الإقليمي كانت محسوبة، وبهدف أن يرتدي زي المدافع عن القومية ويصرف انتباه الرأي العام التركي عن فشل قيادته، ومن المؤكد أن أردوغان يدرك أن خسارة حزبه في انتخابات عام 2019 في اسطنبول تزامنت مع انخفاض سابق في قيمة الليرة.

وفي الوقت الذي ينتقد فيه أردوغان اليونان وقبرص وسوريا والعراق ومصر وإسرائيل وأرمينيا، ينضم إلى قائمة طويلة من الطغاة الذين أثاروا الصراعات لصرف الانتباه عن الفشل الاقتصادي الداخلي والفساد المستشري، وبالتأكيد، كان هذا هو الحال مع سياد بري(الرئيس الصومالي الاسبق) الذي أمر القوات الصومالية في عام 1977 بغزو إثيوبيا، كما سبقت الازمة الاقتصادية في الأرجنتين قرار الرئيس الأرجنتيني ليوبولدو جالتيري عام 1982 بغزو جزر فوكلاند، وفي عام 1990، أمر الرئيس العراقي صدام حسين قواته بغزو الكويت من أجل نهب احتياطاتها البترولية، وخلق حل سريع للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها بنفسه، وفي نهاية المطاف، أنهى كل من هؤلاء القادة حياتهم المهنية في المنفى أو السجن أو على حبل المشنقة.

وسيكون أردوغان مخطئاً عندما يعتقد أن التاريخ سوف يستثنيه من ذلك: فقد تخلى عنه مجتمع رجال الأعمال إلى حد كبير، وفي حين أن الكرد (في تركيا) قد وجدوا ذات يوم أرضية مشتركة مع اردوغان مهد لها ي التيار الديني المحافظ الذي ينتمي إليه، إلا أن لا مبالاة أردوغان وعنصريته دفعا ذلك المجتمع أيضاً إلى سحب دعمه منه، إن التشدد الديني السني الذي ينتهجه أردوغان يرغم الاقلية العلوية في تركيا، الذين ربما تكون نسبتهم حوالي 25% من السكان، على ان يكونوا في صفوف المعارضة، وكذلك لا يمكن لأردوغان أن يتوقع من أفراد وأصدقاء 100 ألف معارض سياسي في السجون أن يقدموا له أي دعم، فالضغط يزداد عليه، وفي غياب أي إطلاق سراح ذو معنى، سوف تنفجر تركيا، ويتعين على أولئك الذين أصبحوا ضحايا لأردوغان، داخل تركيا وخارجها، أن يخططوا لذلك اليوم، وفي عام 2009، دافع أردوغان عن الديكتاتور السوداني عمر البشير الذي كان قد اتهم للتو بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية من قبل المحكمة الجنائية الدولية بسبب مذابح ارتكبها نظامه ضد المدنيين في دارفور، وقال أردوغان: "لا يمكن لأي مسلم أن يرتكب إبادة جماعية"، واعتبر ذلك هراء، لكنه يعكس اعتقاد أردوغان بأن ذبح المسلمين غير السنة وممارسة التطهير العرقي ضدهم أمر مسموح به.

وهذا الاعتقاد والإجراءات التي نتجت عنه هي التي تشكل الأساس لتوجيه أردوغان الاتهام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفي حين أن العالم انتقد الرئيس السوري بشار الأسد بسبب المذابح العشوائية للمدنيين في حلب، تظهر صور الأقمار الصناعية وروايات الشهود أن أردوغان فعل الشيء نفسه في جزير ونصيبين وسور، وخارج حدود تركيا، توجد أدلة كثيرة على التطهير العرقي في عفرين ومناطق أخرى في شمال سوريا، وكذلك تدمير المقابر والآثار الثقافية الكردية، وهي أشياء لا علاقة لها بالحرب على الإرهاب، ثم هناك إرث دعم تركيا لتنظيم الدولة الإسلامية، ففي ديسمبر 2019، زرت سنوني، وهي بلدة أيزيدية كبيرة في شمال غرب العراق على بعد عشرة كيلومترات فقط من الحدود السورية، كضيف على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتحدث الايزيدين والوسطاء العرب عن حصولهم على "إثبات الحياة" للفتيات الإيزيديات اللاتي مازلن محتجزات تحت نير العبودية، ليس فقط في مناطق سورية تسيطر عليها القوات التركية العميلة، ولكن أيضا داخل تركيا نفسها، فالجرائم الأخيرة المرتكبة ضد الأرمن لا تضاف إلى قائمة الاتهام المحتملة، وكذلك أيضا التحركات التركية الأخيرة لاستكمال التطهير العرقي لمنتجع فاروشا، في شمال قبرص.

وعلى الصعيدين المحلي والدولي، فإن أردوغان مدفوع بالانتقام، وبدلاً من التعلم من الإطاحة بمرشده الإسلامي نجم الدين أربكان في عام 1997، أو إدانته لاحقا في السجن في عام 1999، كرس أردوغان حكمه نحو السعي للانتقام من أي شخص يعتقد أنه قد أهانه أو لا يحترمه أو حلفائه المثقفين، وعلى الجانب الدولي، يرى أردوغان نفسه مصححا للأخطاء المفترضة، ليس فقط فيما يتعلق بمعاهدة لوزان، بل أيضاً فيما يتعلق بانهيار الإمبراطورية العثمانية التي دامت قروناً.

وبدافع من الرغبة في إنهاء الصراعات الدائمة، يرى الاتحاد الأوروبي أن معاقبة أردوغان لن تؤدي إلى مزيد من حلقات الانتقام، لأن الجيل القادم من القيادة التركية، أولئك الذين هم في السجن الآن، يعتنقون نموذج النظام الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية الذي تعتز به أوروبا، ويتعامل معه أردوغان بازدراء، بل إن لائحة اتهام أردوغان من شأنها أن تثبت أن سيادة القانون والنظام الدولي الليبرالي سوف ينتصران دائماً على طموح الطغاة الفاسدين الذين يسعون إلى تدميرهم. لقد حان الوقت الآن.

المصدر : معهد امريكان إنترابرايز الأمريكي للدراسات 

ترجمة - محمد عبد العزيز