ما هي عقيدة بايدن؟

السبت 21-11-2020 | PM 02:27 بايدن

دومينيك تيرني، دومينيك تيرني

في كل موسم انتخابي، يبحث المعلقون عن "الكأس المقدسة" (المبدأ الخفي) للسياسة الخارجية، أو العقيدة الرئاسية، أو مجموعة محددة من المعتقدات الدبلوماسية التي يعتنقها الزعيم، كان مبدأ جورج دبليو بوش هو مطاردة الإرهابيين ونشر الديمقراطية بالقوة إذا لزم الأمر، وكان مبدأ باراك أوباما هو تجنب الحروب "الغبية" مثل العراق، وكان مبدأ دونالد ترامب هو منع الحلفاء والمؤسسات الدولية من خداع أمريكا، فما هي عقيدة جو بايدن؟ يجب أن يكون ذلك من السهل معرفته، نظراً لحياته المهنية الطويلة كعضو في مجلس الشيوخ ونائب للرئيس، ويرى البعض من اليسار أن عقيدة بايدن هي أجندة متشددة، في حين يرى مؤيدو ترامب أن بايدن مؤيد لـ "ليبرالية النشطاء" والحروب التي لا نهاية لها، وفي الوقت نفسه، فإن البعض الآخر يصفون بايدن بأنه لا يغير من مواقفه، وفي الواقع، لا يوجد مبدأ ثابت لبايدن وربما كان هذا أمرًا جيدًا

إن فكرة أن الرؤساء في الولايات المتحدة يكون لهم عقيدة (سياسية) أو بصمة مميزة بطريقة أو بأخرى بشأن السياسة الخارجية هي نسخة من نظرية "الرجل العظيم" في التاريخ، لكن حتى أعظم رجل هو أيضا يتأثر بظروف عصره، فخلال الحرب الأهلية الأمريكية، كان إبراهام لنكولن يحمل على ما يبدو مصير الأمة الامريكية في كف يده، ومع ذلك، كتب لنكولن: "أدعي أنني لم أسيطر على الأحداث، وأعترف بوضوح بأن الأحداث سيطرت عليّ"كما أن شخصية بايدن تطمس فكرة عقيدة بايدن المميزة، فهو ليس مفكراً متبصراً بل براجماتياً، إن أقوى وجهات نظره حول السياسة الخارجية غالباً ما تكون حول الوسائل وليس الغايات، مثل أهمية المصالحة، وعقد الصفقات، والتحالفات، إن أسلوبه في الحكم هو أقرب إلى النموذج الجماعي لجون كينيدي، منه إلى نهج الحكم من أعلى إلى أسفل مثل ريتشارد نيكسون، وفي حين كشف ترامب ذات مرة أن مستشاره الرئيسي للسياسة الخارجية هو "نفسه"، فقد حشد بايدن لواء من ألفي معلم دبلوماسي، فبناء جسر بايدن لا يتوقف عند حافة الماء، وهو يقيم وزناً كبيراً لإقامة العلاقات الشخصية مع القادة الأجانب ويفضل استخدام القوة إلى جانب الشركاء الدوليين، إذا تم انتخابه، سيكون "رئيس متحدث لبق""

ولذلك ليس من المستغرب أن بايدن نادراً ما اختلفت مواقفه عن تفكير الحزب الديمقراطي السائد في السياسة الخارجية، أو عن الرأي العام الأوسع، ومع ذلك، إذا كان بايدن لا يسيطر على التيار السياسي السائد، فإن ذلك التيار لا يوجهه، وفي لحظات حاسمة، شكلت تجربته الشخصية تفكيره بعمق

بايدن المعتدل:إن رحلة بايدن في السياسة الخارجية هي قصة في ثلاثة فصول، كل منها في ظل الحرب، بدأ الفصل الافتتاحي في أعقاب فيتنام في السبعينيات، عندما كان بايدن عضوًا شابًا في مجلس الشيوخ، واستمر خلال حرب الخليج في عام 1991. حيث قال عن نفسه: "لقد ترشحت لأول مرة عندما كنت طفلا في التاسعة والعشرين من العمر ضد الحرب في فيتنام، على أساس أن الطريقة الوحيدة لحشد أمة نحو الحرب هي أن يكون ذلك بموافقة مستنيرة من الشعب الأمريكي." ومع ذلك، لم يتعرف على المتظاهرين الذين قاموا بعدة تظاهرات ضد الحرب، وكان يعتقد أن حرب فيتنام غبية، بدلا من كونها غير أخلاقية

وخلال هذه الفترة، كان بايدن عضوا في الحزب الديمقراطي، ولا يزال في منتصف الطريق في السياسة الخارجية، وقال انه يؤيد غزو جرينادا في عام 1983 وبنما فى عام 1989، لكنه عارض تمويل متمردي الكونترا في نيكاراجوا، وفى عام 1991 صوت ضد المشاركة في حرب الخليج، وقال إن صدام حسين لم يشكل تهديدا مباشرا للمصالح الوطنية الامريكية، وأنه كما كانت واشنطن تجهل فيتنام في الستينات والسبعينات، فإنها الآن لا تفهم الشرق الأوسط، وكان الهدف من تحقيق الاستقرار في المنطقة حلماً كاذباً، "لم يتحقق أبداً لفترة طويلة جداً منذ حوالي 5 آلاف عام"

وكان حذر بايدن من غزو العراق متزامناً مع مزاج الحزب الديمقراطي والرأي العام الأوسع نطاقاً، وكان واحدا من 45 عضوا من أصل 55 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ صوتوا ضد حرب الخليج، والقرار الذي أجاز الحرب لم يمرر إلا بفارق ضئيل حوالي 52 صوت مقابل 47، وفي إطار الحشد لعاصفة الصحراء، كان الرأي العام الأمريكي حذراً أيضاً بشأن الأعمال العدائية، ولم يصبح متحمساً للحرب إلا بعد بدء القتال

بايدن الصقر:

الفصل الثاني من تفكير بايدن في السياسة الخارجية هو مرحلة الصقور، من 1991 إلى 2003، في ظل حرب الخليج ونهاية الحرب الباردة، وسرعان ما ندم بايدن على تصويته ضد الحرب في عام 1991 وانتقد جورج بوش الأب لإنهاء الحملة العسكرية في وقت مبكر جداً وترك صدام في السلطة، مما تسبب في "معاناة إنسانية هائلة داخل العراق". ودافع بايدن بثقة عن التدخل العسكري، وأيد التدخل الأمريكي في البلقان، ووصف الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش في وجهه بأنه مجرم حرب، ووصف تقاعس إدارة بيل كلينتون في المنطقة بأنه "سياسة يأس وجبن". وكان بايدن قد دعم حرب كوسوفو في عام 1999 وكذلك حرب أفغانستان في عام 2001، كما سعى الى التحقق من "سعي صدام المستمر للحصول على اسلحة دمار شامل" وصوت في اكتوبر 2002 على السماح باستخدام القوة ضد العراق

ولكن هل عقيدة بايدن حقاً هي حقا عقيدة الصقور، كما يدعي البعض من اليسار؟ فالمحور المتشدد الذي اتخذه بايدن في التسعينيات كان يعكس روح العصر الامريكي الأوسع نطاقاً، ويبدو أن الانتصار الأمريكي السريع في الخليج قد دفن متلازمة فيتنام في الرمال العربية، وفي فترة ما بين عامي 1991-2003، سأل أكثر من مائة استطلاع للرأي الامريكيين عما إذا كان ينبغي عليهم الإطاحة بصدام حسين بالقوة، ووجد كل واحد منهم تأييداً من الأغلبية، وبعد هجمات 11 سبتمبر، كانت واشنطن تعاني من مخاوف من تحالف محتمل بين الإرهابيين والحكام المستبدين، وكان بايدن واحداً من 77 عضواً في مجلس الشيوخ الذين أذنوا باستخدام القوة للإطاحة بصدام حسين

بايدن الحمامة:فتحت حرب العراق فصلا جديدا في حياة بايدن، وهو بايدن الحمامة، حيث رأى أن غزو العراق كان فشلاً وطنياً وشخصياً، وكان يأمل في ان يحفز دعم الكونجرس للحرب رد فعل اكثر صرامة من الامم المتحدة وتجنب الاعمال العدائية تماما، لكن الصقور المحيطون ببوش كانوا على علاقة بالقتال. وأوضح بايدن: "لقد ارتكبت خطأ". وقال " لقد قللت من شأن تأثير نائب الرئيس تشينى ووزير الدفاع رامسفيلد وبقية المحافظين الجدد، لقد قللت إلى حد كبير من شأن خداعهم وعدم كفاءتهم". وقد أثبتت مخاوفه من عواقب تغيير النظام في بغداد أنها متبصرة، حيث أصبحت الحرب مستنقعاً مكلفاً

منذ عام 2003، كان بايدن متشككاً بشكل عام بشأن استخدام القوة، وعارض زيادة القوات في العراق في 2006-2007، والزيادة في أفغانستان في عام 2009، والحرب في ليبيا في عام 2011، وابدى شكوكاً حول الغارة التي استهدفت قتل أسامة بن لادن في عام 2011، وكذلك قرار رسم خط أحمر ضد استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، وقد دعم بايدن الحملة ضد داعش وفضل تصعيد حرب الطائرات بدون طيار، لكنه انتقد قرار ترامب بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

هل وجدنا أخيراً طبيعة بايدن الحقيقية؟ ربما — ولكن مرة أخرى، يرتبط دوره الحمائمي مع "متلازمة العراق" الأوسع نطاقاً في المجتمع الأمريكي، فحتى دونالد ترامب والحزب الجمهوري ضد الحروب إلى الأبد، وبايدن ليس طائرة ورقية في مهب الريح، ومع ذلك، كان نائب الرئيس أكثر حمائمية من أوباما بالنسبة إلى أفغانستان، وبن لادن، وسوريا، وليبيا، وهو التدخل الذي وصفه أوباما فيما بعد بأنه أكبر خطأ له، وعززت تجارب بايدن الشخصية بشكل قوي من وعيه بتكلفة الحرب، في عام 2015، توفي ابنه بو بسبب سرطان المخ، وقال بايدن إن المرض ربما كان سببه التعرض للحروق والجروح في كوسوفو والعراق

هل بايدن الحقيقي هو حمامة عام 1991، أو صقر عام 2002، أم حمامة عام 2020؟ الجواب هو كل منهم. وهكذا، في النهاية، قد تكون عقيدة بايدن سرابا. إنه ليس منظّرًا يسعى إلى فرض برنامج للسياسة الخارجية، كما أنه ليس نرجسياً ينظر إلى كل مسألة دبلوماسية من حيث مصلحته الفردية، بل إن بايدن رجل عصره، رجل يشارك حزبه وبلاده العديد من نقاط القوة والضعف، وهو رجل عاش وتعلم في ظلال الحرب، ورجلاً أغرته احتمالات السلطة ذات يوم، وجعلت منه الآن حقائق القوة معتدلا. إن رحلة بايدن في السياسة الخارجية لم تنته بعد، وكرئيس، قد يتمحور دوره في اتجاه أكثر تشدداً، ومع تلاشي ذكريات حرب العراق وظهور تحديات جديدة من الصين وروسيا، كتب بايدن مؤخراً: "إن انتصار الديمقراطية والليبرالية على الفاشية والاستبداد خلق العالم الحر، ولكن هذه المنافسة لا تحدد فقط ماضينا، بل تحدد مستقبلنا أيضاً".

إن رغبة بايدن في التوصل إلى اتفاق مع المعارضين في منتصف الطريق والحلفاء عبر المحيط تجعل من الصعب فك شفرة عقيدة بايدن الفريدة من نوعها في السياسة الخارجية، ولكن المبادئ الجامدة مبالغ فيها، فمؤخرا سجل الرؤساء اً الذين حاولوا إضفاء الطابع الشخصي على السياسة الخارجية والسيطرة عليها ليس مشجعاً، إن أمريكا تحتاج إلى بايدن أكثر مما تحتاج إلى عقيدة بايدن

 المصدر: معهد فورين بوليسي

 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات