نهاية تنمّر أردوغان

الأحد 15-11-2020 | PM 09:08 اردوغان

صالح بوزان

ليس صحيحاً أن السياسة الأمريكية الخارجية لا تتغير بتغير الرئيس. فقد غيرها ترامب كثيراً، وسيغيرها جو بايدن كثيراً أيضاً.

الساسة الأمريكيون براغماتيون، يتعاملون مع الواقع ولا يلتزمون بالأيدولوجيات.

وبالتالي لن يعود جو بايدن إلى سياسات باراك أوباما تماماً. فالسيرة السياسية لبايدن يبين أنه لم يكن تلميذاً لأوباما، وإنما هو شخصية ذات استقلالية في التفكير، إلى جانب أن نائبته هي الأخرى لها استقلاليتها حتى عن بايدن، وسيكون لها دور غير عادي في السياسة الأمريكية الخارجية.

إضافة إلى كل ذلك فقد تغيرت الخريطة الجيوسياسية للعالم بين عهدي أوباما وجو بايدن.ما يهم الكرد، وخاصة كرد روجافا بعد سقوط ترامب، البيئة الجيوسياسية التي سيخلقها بايدن في الشرق الأوسطية ولا سيما ما يتعلق بالأزمة السورية.

نعلم أن القضية الكردية السورية اتجهت نحو العالمية في عهد أوباما. وكان أردوغان عندئذ حريصاً في السير وراء أمريكا في الشأن السوري.

كان يراقب الوضع عن بعد ولم يكن لديه مخطط مستقل عن أمريكا. بمعنى أخر كان يسير وراء سياسة أوباما، ويخفي معاداته للقضية الكردية السورية، ويتستر على دعمه لداعش والمليشيات الجهادية.

بل كانت هناك لقاءات بين الحكومة التركية وممثلين من الإدارة الذاتية في روجافا.

ظهر عاملان لصالح أردوغان تجاه الأزمة السورية عامة وتجاه كرد سوريا خاصة. العامل الأول وصول ترامب إلى رئاسة أمريكا والتفاهم الذي حدث بينهما على مسائل اقليمية ودولية عديدة.

فقد أطلق ترامب يد أردوغان في الشأن السوري.

والعامل الثاني التفاهم الذي حدث بين أردوغان وبوتين حول نفس المسائل.

فاستغل أردوغان هذان العاملان بذكاء تجاه الأزمة السورية وتجاه القضية الكردية. كان حريصاً في كل خطوة نحو الأزمة السورية وتجاه كرد سوريا أن يحصل مسبقاً على موافقة ترامب وبوتين. هذا ما فعل مع بوتين في احتلال عفرين ومع ترامب في احتلال تل أبيض ورأس العين.

كما استغل تراجع ترامب عن المسألة السورية عامة ليضع يده على المعارضة السورية وميليشياتها الاسلامية، ومن ثم يقوم بالبيع والشراء مع بوتين بشكل ودي غالباً على أنهما حليفان في المسألة السورية. قام ترامب بإعادة النظر في علاقة أمريكا مع دول الاتحاد الأوروبي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

فصاغ استراتيجية لتحجيم دول أوروبا. ولاحظنا اصطدامه مع العديد من القادة الأوروبيين الذين لم يقبلوا التحجيم.

صحيح أن الأوروبيين لا يتجرؤون الخروج عن طاعة أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، لكنهم في الوقت نفسه لا يقبلون أن تقوم أمريكا بصفقات على حسابهم. كان الصدام الأول بين ترامب والقادة الأوروبيين عندما اتخذ قرار الانسحاب الانفرادي من الاتفاقية النووية مع ايران دون إيلاء الاهتمام بمعارضة أوروبا لهذه الخطوة.

وتابع خطواته الانفرادية باتخاذ عقوبات اقتصادية صارمة ضد ايران، تضررت منها الدول الأوروبية. وانسحب من اتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية وغير ذلك من الاجراءات الفردية التي خلقت شرخاً بين أمريكا وأوروبا.

تقاطعت هذه الاستراتيجية الترامبية مع رغبة بوتين في التمدد نحو أوروبا على حساب أمريكا. كما وجد أردوغان أن مساعي ترامب لتحجيم أوروبا تأتي لصالح سياساته التوسعية على حساب دول وشعوب الشرق الأوسط.

وبات يخاطب قادة الدول الأوروبية بلغة التهديد، والسعي لفرض أجنداته عليها. لم يعد يهمه الدخول في الاتحاد الأوروبي الذي تماطل القادة الأوروبيين بقبوله. فقد حصل على موافقة ضمنية من ترامب وبوتين ليكون الزعيم الاسلامي في الشرق الأوسط.

وبات يصبغ وجهه بالإسلام أكثر من السابق، ويستخدم الدين سيفاً يشهره في الداخل والخارج. وأنه سلطان "الأمة" الاسلامية. ابتزّ قادة أوروبا مالياً حول اللاجئين السوريين، وهددهم صراحة بتسفير قوافل اللاجئين إلى أوروبا إذا لم يرضخوا لطلباته.

وفي الشهرين الأخيرين سلط الارهاب الاسلامي على دول أوروبية تعارض سياساته التوسعية وخاصة فرنسا. رضخ أغلب قادة أوروبا لأردوغان، وباتوا يريدون ارضاءه. لم تعد مسألة حقوق الانسان في تركيا تشغلهم، ولا احتلال أردوغان لعفرين وتل أبيض ورأس العين.

ولم تتجرأ دولة أوروبية واحدة إدانة هذا الاحتلال الذي أدى إلى تشريد آلاف الكرد من موطنهم. لم يقف أردوغان عند هذا الحد، بل تطاول على ليبيا والبحر المتوسط إلى أن وصل لناغورني كاراباخ.

هل كان أردوغان يتجرأ القيام بكل هذه الخطوات لولا تفاهماته مع ترامب وبوتين..؟ بالتأكيد لا.إذا وضعنا صخب تصريحات أردوغان الهوجاء جانباً نستطيع القول أن تركيا نمر من الورق.

وهي كذلك منذ تأسيس الجمهورية. فلولا وقوف الغرب إلى جانبها، ولولا وجودها في الحلف الأطلسي منذ خمسينيات القرن الماضي، ولولا الدعم الأمريكي المباشر لها، لما استطاعت أن تصمد أمام أزماتها الداخلية، وأمام كفاح الحركة الكردية في كردستان تركيا.

لا شك أن قادة الادارة الذاتية في روجافا، ولا سيما قادة قوات سوريا الديمقراطية كانوا يراقبون هذه التحولات في السياسة الأمريكية والروسية وانعكاسها السلبية على القضية الكردية في روجافا. لقد وجدوا أنفسهم بين فكي كماشة. فهم من ناحية لا يثقون ببوتين الذي يريد إعادة سوريا إلى ما كانت عليها قبل الثورة السورية بالاتفاق مع روحاني وأردوغان.

وبالتالي لن يحصل الكرد على أي حقوق في سوريا المستقبل. ومن ناحية ثانية باتوا وجهاً لوجه أمام تاجر رخيص مثل ترامب يتبوأ أكبر دولة في العالم لها وجود في روجافا، وأن هذا الرئيس لا يفكر سوى بالصفقات التجارية وبيع البشر مقابل المال.

كان الخيار الوحيد أمامهم الصمود قدر الامكان عسى أن تتغير الأوضاع الاقليمية والعالمية لصالحهم. نجح جو بايدن في الانتخابات الأمريكية، وأصبحت الأوضاع الاقليمية والدولية في طريقها إلى التغيير مع الرئيس الجديد.

وبالتالي وصل صمود الادارة الذاتية وقوت سوريا الديمقراطية إلى وضع أفضل بكثير من السابق. فمع مغادرة ترامب البيت الأبيص ستنهار صفقات أردوغان معه.

ولن تعود تفاهمات أردوغان وبوتين بعد اليوم تثمر كثيراً. فعندما تساند أمريكا أكثر من السابق الادارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ، فإن الدول الأوروبية كلها ستقوم بذلك.

لن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيصبح مستقبل أردوغان السياسي وحزبه أكثر ضبابية. التحول الأبرز عالمياً هو عودة التلاحم بين أمريكا أوروبا على حساب روسيا وتركيا. ومن ناحية أخرى سيسعى الرئيس الأمريكي الجديد إعادة تركيا إلى حظيرة أمريكا السابقة، وإلا...!!ماذا نقصد بإلا..!!أغلب الساسة الأمريكيون لم يعودوا يثقون بأردوغان حليفاً لأمريكا. فقد استغل أردوغان دعم ترامب له ليذهب بعيداً في تفاهماته مع بوتين لحد تهديد مصالح أمريكا الاستراتيجية.

لا يقف الأمر عند قضية الصواريخ S-400. لاحظنا وقوف الحزبين الجمهوري والديمقراطي ضد هذه الصفقة، وأقر الكونكريس عقوبات على تركيا، لكن ترامب أوقفها. كما تجاهل ترامب التفاف بوتين على قرارات جنيف حول المسألة السورية باختلاق مؤتمرات سوجي وأسيتانا مع أردوغان والروحاني.

كانت نتائج هذه المؤتمرات تنصب ضد مصلحة الشعب الكردي السوري، ولا سيما ضد الادارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية.

لقد تنمّر أردوغان اقليمياً وعالمياً بفضل ترامب وبوتين. ومع جو بايدن سيعود إلى حجمه الطبيعي.

سيطلب بايدن منه التراجع عن أغلب الخطوات التي قام بها اعتماداً على تفاهماته مع ترامب وبوتين في الشرق الأوسط، وعلى صعيد العلاقة مع أوروبا، إضافة إلى الابتعاد عن روسيا والعودة إلى حظيرة أمريكا كالسابق.

سواء لبى أردوغان هذه الطلبات أو لم يلبيها سيدخل مع حزبه في مأزق سياسي.

ففي حال لبى هذه الطلبات، ستنقلب عليه جماهيره التي هيجها خلال السنوات الأربعة الماضية إلى حدود اللاعودة.

زد على ذلك أن سياسات أردوغان الداخلية والخارجية أوصلت تركيا إلى أزمة اقتصادية خانقة، خلقت ململة حتى داخل صفوف حزبه.

وإذا رفض هذه الطلبات الأمريكية، فستحدث كارثة أكبر لتركيا. ستنهال عليها عقوبات اقتصادية قاسية تفاقم الأزمة الاقتصادية الراهنة، بحيث سيضطر أردوغان الانكباب على الوضع الداخلي في تركيا من أجل انقاذ مستقبله ومستقبل حزبه السياسي.

كل ذلك سيؤدي إلى ازدياد جماهيرية المعارضة في تركيا، مع الاحتمال الأكبر نجاحها في الانتخابات القادمة ضد أردوغان وحزبه.

وحتى لو نجح حزب أردوغان في الانتخابات القادمة، فسيكون نجاحاً ضعيفاً لا يخوله تشكيل حكومة بمفرده مع حزب باخجلي.

يجب ألا يقع أي كردي في وهم أن جو بايدن سيقاتل من أجل القضية الكردية. فأمريكا لا تقال من أجل أحد.

لكن البيئة الجيوسياسية التي سيخلقها بايدن في الشرق الأوسط والعالم، ستكون لصالح الكرد حتماً. وإذا استغل القادة الكرد هذه البيئة الجيوسياسية بمهارة سياسية، ستنتقل الحركة الكردية في عموم كردستان إلى مرحلة جديدة ترسخ وجودها في قضايا الشرق الأوسط عامة. يتوقف الأمر على تفهم القادة الكرد لهذه المرحلة واستغلالها لصالح قضية شعبهم.

صالح بوزان / المركز الكردي للدراسات