نيويورك تايمز : الحقيقة هي الشيء الوحيد الذي يمكنه إنقاذ الديمقراطية

الأحد 15-11-2020 | PM 01:02 نييورك

توماس فريدمان

رئاسة ترامب جعلت الكذب شيئا طبيعيا

في صباح السبت الماضي كنت جالسا في المطبخ مع زوجتي، آن، التي كانت تعد كريمة القمح، من أجل الإفطار، ثم فاجأتني بالسؤال: أليس الكذب منهي عنه في الوصايا العشر؟

كان علي أن أتوقف وأفكر لثانية، قبل أن أجيب: "نعم، الوصية تقول لا تشهد بالزور" .. إن حقيقة أننا فكرنا للحظات بشأن هذا السؤال هي بالنسبة لي أسوأ إرث لرئاسة ترامب

هل تتذكرون النكتة القديمة؟ ينزل النبي موسى من جبل سيناء ويقول لأطفال بني إسرائيل: يا أطفال، لدي خبر سار وخبر سيء. الخبر السار هو أن الوصايا أصبحت عشرة (فقط)، والخبر السيئ هو أن النهي عن الزنا لا يزال ضمن تلك الوصايا

حسناً، الآن لدي خبر سيئ وخبر أسوأ: لقد انخفض عدد الوصايا الآن إلى تسعة، نعم، كانت هذه أربع سنوات تاريخية، لدرجة أن إحدى الوصايا العشر تم محوها، حيث تم تطبيع الكذب على نطاق لم نره من قبل ومن هنا برز المبرر لسؤال “آن”، ولست متأكدا كيف أن نعكس تأثير ذلك، ولكن يجب ان نفعل ذلك وبسرعة، فالناس الذين لا يشاركون الحقائق لا يستطيعون هزيمة وباء، ولا يستطيعون الدفاع عن الدستور ولا يستطيعون طي الصفحة بعد زعيم سيء، إن الحرب من أجل الحقيقة هي الآن حرب للحفاظ على ديمقراطيتنا

من المستحيل الحفاظ على مجتمع حر عندما يشعر القادة وناشري الأخبار بحرية نشر الأكاذيب دون أي عقوبات، وبدون الحقيقة لا يوجد طريق متفق عليه للمضي قدما، وبدون الثقة لا سبيل إلى السير معا في ذلك الطريق، لكن الفجوة الآن عميقة جداً، لأن الوصية الوحيدة التي آمن بها الرئيس ترامب كانت الوصية الحادية عشرة وهي: أن لا يتم ضبطك متلبسا، ولكن في الآونة الأخيرة، توقف "ترامب" والعديد ممن حوله عن الإيمان حتى بذلك، يبدو أنهم لا يهتمون بأن يتم ضبطهم متلبسين، وهم يعرفون، كما يقول المثل، أن أكاذيبهم هي بالفعل منتشرة في جميع أنحاء العالم قبل أن تظهر الحقيقة، و هذا كل ما يهتمون به فقط .. تلويث العالم بالأكاذيب وبعد ذلك لا أحد سيعرف ما هو صحيح، وعندئذ تكون قد حققت أهدافك

إن الحقيقة هي مصدر الترابط بيننا، وترامب لم يرغب أبداً في الالتزام بذلك، مثلما فعل وطلب ذلك من رئيس أوكرانيا (توريط نجل جو بايدن في قضية فساد) أو قاله بشأن فيروس كورونا أو حول نزاهة انتخاباتنا، وكاد أن ينجح في ذلك، فقد أثبت ترامب على مدى خمس سنوات أنه يمكنك الكذب عدة مرات في اليوم، بل عدة مرات في الدقيقة، وليس فقط الفوز في الانتخابات بل يمكنه الفوز بإعادة انتخابه، ولذا علينا أن نضمن أن أمثاله لن يظهروا مرة أخرى في السياسة الأمريكية

ولأن ترامب لم يجرد نفسه من الحقيقة فحسب، بل جرد الآخرين منها ليقولوا أكاذيبهم أو ينشروا أكاذيبه، ويقوم هو بجني الفوائد، لم يهتم الأعضاء الكبار في حزبه، طالما أنه حافظ على القاعدة الانتخابية نشطة وأصبح التصويت باللون الأحمر(لصالح الحزب الجمهوري). ولم تهتم شبكة فوكس نيوز أيضا، طالما بقي مشاهديها يتابعونها وارتفع تصنيفها، وبالكاد اهتمت الشبكات الاجتماعية الكبرى، طالما أبقى ترامب مستخدميها على الانترنت وأصبحت أعدادهم في تزايد، ولم يهتم العديد من ناخبيه، حتى الإنجيليين، طالما أنه عين قضاة مناهضين للإجهاض، فهم "مؤيدين للحياة"، لكنهم ليسوا دائماً من المؤيدين للحقيقة

لكل هذه الأسباب، فإن الكذب الآن أصبح صناعة تنمو مثل الناتج الإجمالي المحلي: "فقد كانت مبيعات السيارات والسيارات المعمرة منخفضة بنسبة 10% في الربع الأخير، ولكن الكذب نما بنسبة 30% ويتوقع الاقتصاديون أن تتضاعف صناعة الكذب في عام 2021

إن الخبير في الشؤون البدوية الإسرائيلي كلينتون بيلي يحكي قصة عن زعيم بدوي الذي اكتشف في يوم من الأيام أن بلده المفضل قد سرقت ديكا روميا، فاتصل بأبنائه معاً وقال لهم: "يا أولاد، نحن في خطر كبير الآن. لقد سُرقُ ديكي الرومي ويجب أن تعثروا عليه، فضحك أولاده وقالوا: "يا أبي، لماذا تحتاج ذلك الديك؟" وتجاهلوه، وبعد بضعة أسابيع تم سرقة جملة، فقال الزعيم لأبنائه " اعثروا على ديكي الرومي" وبعد بضعة أسابيع تم سرقة حصان الزعيم، فتجاهل أبناؤه ذلك ، وكرر الزعيم: "اعثروا على ديكي الرومي". وأخيراً، بعد بضعة أسابيع اختُطفت ابنته، وعندها جمع أبناءه وأعلن: "كل ذلك بسبب الديك الرومي! عندما رأوا أنهم يستطيعون أخذ الديك الرومي الخاص بي، فقدنا كل شيء"

وهل تعرف ما كان ديكنا الرومي؟ حركة "الولادة" المعارضة. (حركة شككت وانكرت أن الرئيس باراك أوباما هو مواطن أمريكي المولد، ما يعني أنه غير مؤهل ليكون رئيسا)، وعندما سُمح لترامب بنشر كذبة "المولد" لسنوات، وقال أن باراك أوباما، الذي ولد في هاواي، ولد بالفعل في كينيا وبالتالي لم يكن مؤهلاً ليكون رئيساً، أدرك "ترامب" أنه يمكن أن يفلت من أي عقاب

وبالتأكيد، تخلى ترامب في نهاية المطاف عن قول ذلك، ولكن بمجرد أن رأى كيف يمكن بسهولة سرقة الديك الرومي، وهو الحقيقة، استمر في فعل ذلك، حتى سرق روح الحزب الجمهوري، ولو أعيد انتخابه، لسرق روح هذه الأمة

إن ترامب ومعاونيه يقومون الآن بمزايدة أخيرة لاستخدام "الكذبة الكبيرة" لتدمير ديمقراطيتنا من خلال نزع الشرعية عن أحد أعظم لحظاتها على الإطلاق، وهي عندما خرج عدد قياسي من المواطنين للتصويت، وتم فرز أصواتهم بشكل شرعي، وسط وباء قاتل ومتزايد، إن ما يفعله هو وحلفاؤه شيء فاسد جدا، وهو خطر جداً على نظامنا الدستوري، لكن المشكلة الأكبر هي عدد أتباعهم الذين صدقوا تلك الأكاذيب

قال لي زميلي السابق في صحيفة نيويورك تايمز ديفيد ك. شيبلر، الذي عمل في مكتبنا في موسكو خلال الحرب الباردة: "إن الأكاذيب لا تنجح ما لم يتم تصديقها، وقد ثبت أن ما يقرب من نصف الجمهور الأمريكي ساذج بشكل ملحوظ

وانا أظن أن كل منا لديه إنذار خاص به، وكأنه جهاز بدأت بطارية في النفاذ، ومن الواضح أن الكثير من أكاذيب ترامب، وإعادة تغريداته لافتراءات المؤامرة، باتت سخيفة، لكني لا استطيع ان افهم أو اتأكد لماذا يصدق الكثير من الناس تلك الأكاذيب

ولهذا السبب من المهم أن تتبنى كل مؤسسة إخبارية ذات سمعة طيبة، وخاصة التلفزيون ومواقع فيسبوك وتويتر ما أسميه "قانون ترامب"، وإذا نطق أي مسؤول بكذب واضح أو ادعاء خالٍ من الحقائق، فينبغي إنهاء المقابلة على الفور، تماماً كما فعلت العديد من الشبكات مع مؤتمر "ترامب" الصحفي الذي كان مليئا بالكذب بعد الانتخابات الأسبوع الماضي، وإذا كان المعارضون يصرخون ضد "الرقابة"، فعليهم أن يصرخوا مرة أخرى مطالبين بالحقيقة

ويجب أن يصبح هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، فالسياسيون بحاجة إلى أن يكونوا خائفين في كل مرة يذهبون فيها لمقابلة تليفزيونية بأن المقابلة لن تكتمل إذا كذبوا، وفي الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى أن نطلب من كل مدرسة في أمريكا أن تضم إلى كتاب التربية المدنية، ضمن المناهج الدراسية، كيفية تحديد إذا كان هناك شيء تقرأه على شبكة الإنترنت صحيحاً، ولا يجب أن يتم منحك شهادة التخرج من المدرسة الثانوية بدون ذلك.

نحن بحاجة إلى إعادة وصم الكذب والكذابين بالعار قبل فوات الأوان، نحن بحاجة إلى البحث عن الحقيقة، والكفاح من أجل الحقيقة وتشويه سمعة قوى التضليل بلا رحمة، إنها معركة الحرية بالنسبة لجيلنا.

توماس فريدمان – نيويورك تايمز

ترجمة - محمد عبد العزيز