أوجالان ... محاكمة علم الاجتماع المركزي من بوابة سيوسولوجيا الحرية

الأربعاء 07-10-2020 | PM 10:39 صورة أرشيفية

فرهاد حمي

يذخر الوعي الجمعي الكردي في ذاكرته الاجتماعية بالعديد من الملاحم التراجيدية التي تأخذ نهايات مأساوية بمفارقة البطل لحياته؛ فذلك القدر المحتوم في التراجيديا يحيل مصير البطل ليكون ضحية العالم الرمزي والنظام الاجتماعي القائم! سواء حملت موضوعات الملاحم محتوى العشق" مم وزين- دوريش عفدي" أو كفاح الوجود" قادة الثورات الكردية الحديثة"، يبدو ثمن التمرد في كلتا الحالتين على قواعد العالم الرمزي المهيمن هو الحرية نفسها. فهذه الحرية، التي تصطدم بالأصفاد الحديدية والاعدامات والعزل عن الحياة، تمثل مفارقة غريزة الحياة والموت معاً، وبصورة ما إعادة عجلة مكر التاريخ في مقولة أوجلان الشهيرة "التاريخ المخفي في يومنا ونحن مخفيون في بداية التاريخ".(1)

هذا الدهاء يطل برأسه من سراديب سجن معزول على جزيرة إيمرالي الواقعة في بحر إيجة التركية، حيث يروي لنا أوجلان هذا القدر المأساوي، الذي هو نفسه ضحيته، في افتتاحية مرافعته الثالثة ضمن سلسلة مجلدات "مانيفستو الحضارة الديمقراطية بعنوانها الفرعي "سوسيولوجيا الحرية"، أنه كان ردة الفعل من قبل مجمع الألوهية العصرية (النظام الرأسمالي القائم) على مقولة الحرية والإرادة والتمرد على غرار بروميثيوس في الأسطورة الإغريقية.

حكاية هذا السجن ليست غريبة عن ذاكرة الكرد، سيما إذا ما استحضرنا افتتاح المشاهد الصادمة من فيلم "الطريق" للمخرج الكردي يلماز غوني على هذه الجزيرة المعزولة. حيث إننا نصاب بالدهشة جراء تقاطع المشاهد الأولية للسجناء الكرد عما سيؤول عليه مصير أوجلان بعد 17 عاماً من إنتاج الفيلم.

يلماز أراد القول في عمله إن هذا السجن تحديداً، أي إيمرالي، هو المدخل التأسيسي لحرمان الكرد من كينونة الحياة في ظل النظام الفاشي. لكن أوجلان، الذي يختبر مرارة العزلة في ذات المكان، سيخطو خطوة أبعد من ذلك ويؤكد بأن هذه العزلة لا تنبع فقط من إصرار الفاشية المحلية التركية على ترويض الكرد ضمن تقاليدهم الاجتماعية، وإنما تقف خلفها مباشرة الألوهية العصرية بنفسها "النظام العالمي القائم".

بهذا ينقل أوجلان هنا بالذات صراع الوجود والعدم من نزعة محلية ضيقة إلى صراع كوني، تاليا انطلاقة المقاومة المحلية من الكلية العالمية، من الأصالة التحريرية في المساواة والحرية والتضامن، من تجاوز الهوية القومية البدائية والإصرار بدلا منها على التفرد "الخاصية" الذاتية الكردية وكل المجتمعات والأفراد التي تشاطر القيمة الكونية الأخلاقية. بذلك يمثل هو التحرر الراديكالي العالمي المتصالح مع مفهوم التنوير لدى كانط، الذي يشكل المدخل إلى التنوير العالمي في مواجهة الهويات الفاشية الضيقة. انطلاقا من هذا تكون الحرية والمساواة والتضامن ليست حكراً على الجلاد والجلادين بل هي قانون أخلاقي كوني.

تكمن المفارقة في وضعية أوجلان أن ظروف العزلة داخل جدران مغلقة والبتر عن المجتمع، الذي من المفترض أن تكون بمثابة قيد على الحرية وتاليا الدفع إلى العدم المحض "الفناء"، لتتحول هذه الظروف إلى طاقة مقاومة مضادة هائلة تتجلى في التشبث أكثر بالحرية والمناشدة بها عبر عنونة مرافعته بـ "سوسيولوجيا الحرية". على ضوء ذلك يجسد أوجلان مفهوم الحرية عند هيغل، الذي لا يعني مساحة مفتوحة لانهائية خالية من القيود والعوائق والتناقضات، بل أن تلك القيود بحد ذاتها تكون المحفز الوجودي لأي صورة تتخذها الحرية.

اذ يرد أوجلان على لعنة التراجيدية هذه بقوله: "أعي بأفضل الأشكال أن هذه الحيل والدسائس تحاك ضدي، كوني أردت تجاوز دور الضحية في هذا التاريخ المأساوي، ولهذا السبب بالذات، حددت شعار دعواي "ستنتصر الحرية".(2)

وعلى هذا المنوال ندرك معنى سرد أوجلان للتراجيدية الكردية في مقدمة مرافعته.أوجلان الذي جُرد من حقوقه الطبيعية منذ 22 عاماً، ليس بزعيم سياسي تقليدي لقيادة حزب وشعب في حرب تحرير وطنية، ولا هو بشخصية مقدسة وشمولية كما يروج لها البعض، بل هو متنور عضوي يكشف الحقائق أمام الرأي العام بعيداً عن الحسابات الشخصية الرخيصة المرتبطة بالسلطة والنفوذ، تلك الحقائق التي نلامسها يومياً ونعيش في كنفها، لكن دون القدرة على إدراكها ذهنياً والتعبير عنها لغوياً بحكم سطوة اللغة الإيديولوجية الحاكمة.

يحبذ أوجلان أن يطلق على هذا المؤلف بـ "إعادة إنشاء تجربة الحرية"، بحيث تكون سوسيولوجيا الحرية مدخلاً نقدياً لمحاكمة الهيمنة الحضارية المركزية المسنودة شرعيتها الإيديولوجية إلى أساليب العلوم الاجتماعية الغربية المهيمنة، التي سلبت سحر الحياة الاجتماعية والطبيعية من كينونتها ودفعتهما نحو الاغتراب الكلي والتهديد الوجودي.

رغم الظروف العسيرة في إنتاج هذا المؤلف_ مثل الافتقار إلى شروط البحث الكلاسيكي من حرية الحركة والبحث عن المصادر والمراجع العلمية والبحثية والسماح في الاستخدام التقني، بالإضافة إلى ظروف العزلة والضغط النفسي الذي كان يمارس عليه باستمرار من جلادي السجن _ سيكون أوجلان موسوعياً في نبش دهاليز العلم والفلسفة والتاريخ، وبارعاً في إمساك المفاهيم والمصطلحات المحورية، وناقداً حصيفاً لتحطيم الدوغمائية والتشويش الحاصل في بنية العلوم وأساليبها، ومخلصاً لتناول الظاهرة الاجتماعية عبر التناسق الجدلي بين العلوم الطبيعية والانسانية معاً.

هذا المؤلف كما غيره من مؤلفاته لا يمكن ادراجه ضمن خانة التقليد الأكاديمي الكلاسيكي والحكم عليه من منظور الدلالة الوصفية والسرد التقليدي، بل قائم على أسلوب التفسير والتأويل، الذي يراهن عليه أوجلان بغرض إعادة تعريف المعنى للمصطلحات والمعايير وظاهرة الوعي نفسها.تمثل هذه التجربة، حسب أوجلان، المقاومة ضد تقنيات السلطة المحضة والمكشوفة وجه لوجه. فمقاومة السجن، الذي هو مكان التأديب والضبط والترويض الأكثر فعالة بيد السلطة (3)، تغدو نوع من المعجزة وتتطلب إرادة فولاذية. لكن أوجلان يكافح ويطور أدوات المقاومة بطريقة جدلية ويتسلح "بميراث محاكمة سقراط وقطار مناضلي الحرية والفكر في سيرورة المجتمعات الغربية من جهة، والمواقف الديمقراطية والحكمة الشرقية من جهة ثانية". "بذلك تكون مرافعته في المقام الأول الدفاع عن الحضارة الديمقراطية".(4)

مطاردة الجنة المفقودة

في الأبواب الأولى من الكتاب التي جاءت تحت عناوين "قضية الأسلوب والحرية وقوة العقل الاجتماعي" يقدم أوجلان مقاربات نقدية لاذعة حيال أساليب العلوم الاجتماعية (من الحداثة إلى ما بعد الحداثة)، التي بدأت بالظهور كعلم مستقل قائم بذاته ومغلف بنسق العلوم الوضعية تحديدا بعد الثورة الفرنسية وما تلاها من أزمات وحروب وصراعات ونزاعات استعمارية، التي تفاقمت بنيوياً جراء الاحتكارات التي فرضتها السلطة ورأس المال على المجتمع.

إذ يرى أوجلان أن المقاربة الوضعية داخل أنساق علوم الاجتماع والتاريخ أفضت إلى إنتاج هندسة المجتمع بما يتكيف مع بنية الدولة القومية الصاعدة وهيمنة قوة رأس المال وما رافقها من تقسيم العمل الاجتماعي. فالذات البشري، الذي تحرر من سطوة الميتافيزيقيا الدينية التقليدية كنوع متعالي (منفصل) عن إرادة الفرد، حاول بناء على تلك المقاربة أن يؤسس لفكرة متعالية جديدة، بغية ملء الفراغ الناشئ عن غياب الله في المجتمع الصناعي الجديد. وتجسد هذا الأخير في الدولة الأمة (الدولة القومية). بذلك يكون الذات الإنسان قد خلق إله جديد مزين بقوانين وطقوس إيميل دوركايم العلمانية القومية المتجانسة الصارمة كبديل لطقوس الألوهية القديمة.(5) يعبر أوجلان عن هذا بقوله " فبقدر ما يكون قانون مطلقاً وكلياً يغدو التمرد عليه مستحيلاً، وهكذا يبدأ إنشاء الله من خيال الإنسان وتصوره، فالإنسان صاحب السلطة المؤلهة(6).

يشكل التفكير العقلاني الأداتي، أحد أهم أساليب الوضعية في الوصول إلى المعارف والحقائق، حيث أجاب على أزمات تفكك المجتمع التقليدية بوجوب تأسيس الدولة الأمة (القومية) على أساس التكييف مع الرأسمالية القائمة على التراكم والإنتاج الصناعي المفرط. ورغم تشيده على العلوم المادية، إلا أنه لم يتخلص من إطلاق دعوات تبشيرية للمجتمعات بدنوها من الحرية وامتلاك السعادة المطلقة أو النيرفانا. وبغرض تحقيق هذه التطلعات انتجت هذه العقلانية الأداتية النفعية أنظمة "تحكم وضبط رقابة شمولية صارمة" على السلوك البشري وأقحمت المجتمع كله داخل "قفص من الحديد".(7)

يرجع أوجلان هذا إلى رفض تلك العقلانية الوضعية القائمة على مبدأ "التقدم المستقيم" التنوع والاختلاف في تناول التاريخ والمجتمع من جهة، والنظر إلى الظواهر الاجتماعية بطريقة مادية وسطحية فجة من جهة أخرى. ذلك كون عناصرها الوصفية تستند إلى معايير أحادية مثل السلطة، الدولة، الطبقة، السيادة، المجتمع العضوي القومي، الفرد. فتلك المعايير، التي يطلق عليها جان فرانسوا ليوتار ب"السرديات الكبرى"(8)، تعد "بمثابة قوانين مطلقة ومقدسة"(9) لا يجوز الشك في صدقيتها.

كما أن محتوى اللغة الوضعية المستخدمة، التي تحتضن المعايير المذكورة أعلاها في بنيتها كحقول المعرفة والخطاب، تكشف بوضوح أحادية التوجه هذه العقلانية. فعند الشروع في تعريف مصطلح الأمة (الدال) من خلال معناه (المدلول) على سبيل المثال، تعرف تلك اللغة الأمة بأنها كيان عضوي متجانس لا يقبل الاختلاف والتنوع سواء لغوياً أو ثقافياً أو جغرافياً أو اقتصادياً. وهذا ينطبق أيضاً على مفهوم السيادة بأنها سلطة مطلقة لا تقبل أية سلطة موازية أو متداخلة. وستكون الطبقة قلب التاريخ وروحه، بينما سيصبح تعريف الدولة هيمنة كيان اجتماعي بيروقراطي بعينه دون سواه وأنها غاية التاريخ العليا. في حين ستبدو الرأسمالية بأنها أفضل شكل إنتاجي في التاريخ وسيبقى، والطبيعة بأنها حقلاً مستباحاً أمام قانون المراكمة الرأسمالية اللانهائية. وهكذا دواليك.

بدأت أعراض مآزق العلوم الاجتماعية الغربية بالظهور عبر تجذير ثنائيات على شاكلة " الذات- الموضوع" و"مركزية الإنسان- الطبيعة" و"الحضارة- البربرية" و"الرجل الأبيض- الرجل الأسود" و"الروح – البدن" و"الغرب- الشرق" و"المواطن الإيجابي- والسلبي" و"الذكورية المهيمنة- المرأة الخاضعة" و"الأنا- الأخر" و"الرأسمال- العامل" إلخ. هذه التقسيمات، التي جرى توظيفها بصورة ميكانيكية بغية ملامسة الغاية التاريخية المختفية في كنف المستقبل المجهول، عكست نفسها في كل من القوموية التي تتوعد بتحقيق الأصالة البشرية الرومانسية الغابرة في الأزمان التاريخية، والشيوعية التي ترسم صورة الجنة المنتظرة، والرأسمالية الفردية التي ترفع شعار السعادة المطلقة للبشرية.

أما أثارها العملية فقد تجلت في خطوات أولئك المستعمرون والبعثات التبشيرية ورواد الأعمال والمستشرقون الذين كانوا يبشرون بالسعادة المطلقة من خلال القبض على الموضوع الماثل أمامهم. سواء كان هذا الموضوع من مواد الخام المستوردة من الهند وأفريقيا وامريكا الوسطى والشرق الأوسط، أو الهيمنة الإدارية والسياسية والثقافية على الشعوب المستعمرة. فحكاية الحداثة الرأسمالية في نطاقها الداخلي وحول العالم ما هي إلاّ حكاية البحث عن الفردوس المفقود وفق تعبير الشاعر الانكليزي جون مليتون.

عليه، أنتجت الترجمة الفعلية لعقيدة "التقدم المستمر" باندلاع حروب عالمية ضارية، والويلات على الشعوب المستعمرة والسكان الأصلين والهولوكوست وغولاك وإبادة الأرمن والكرد وباقي الأقليات والشرائح الاجتماعية المتنوعة والثورة الصينية الثقافية وتجارة العبيد والقنبلة النووية ودمار البيئة وغيرها. وإذا أردنا أن نأخذ النسخة الأتاتوركية في تركيا والقوموية العروبية والفارسية والصهيونية اليهودية في الشرق الأوسط كأمثلة مصغرة ضمن هذا السياق، حينها تغدو العقلية النازية والماوية والستالينية والاستعمارية بمثابة النسخة العالمية الكبرى لهذه النماذج.

هذه هي القوانين الفولاذية التي ينتقدها أوجلان داخل العلوم الاجتماعية الغربية الكلاسيكية، حيث قتلت تنوع الحياة وغذى التفكير الأحادي التعصبي. وما انبعاث الأصولية الدينية والقوموية في يومنا هذا مجدداً، من قبيل أمريكا أولاً مع دونالد ترامب، وتركيا العثمانية الجديد مع أردوغان، والدولة الجهادية العالمية، والروسية القيصيرية البوتينية وغيرها من هذه الإيديولوجيات الأحادية، ليست سوى منتوج للعقلانية الوضعية في العمق.

لكلّ قانونه الخاص

النتائج الكارثية للحداثة الوضعية المذكور أعلاه دفعت العلوم الاجتماعية الغربية إلى تحرير دلالة المعنى كلياً من كل القيود والمعايير العقلانية والسرديات الكبرى. حيث لم يميز رواد ما بعد الحداثة بين العقل عند هيغل وماكس فيبر، والعقلانية الوضعية الضيقة.

تسلح هذا التيار كظاهرة اجتماعية بالنظرية النسبية المفرطة والدوائر اللانهائية. ينظر أوجلان إلى هذا التيار على أنه "غابة من الاحجية والألغاز" لا تملك دلالة عقلية بعينها. لكن هذا التيار لا يكتفي بهذا الغموض والعجز والعدمية، بل يقدم وجبة بديلة عن الإيديولوجيات الكبرى، التي يختصره أوجلان بقوله: "بأن لكل قانونه الخاص، أو تتواجد القواعد والمعيار بقدر عدد الأفراد".(10)

هذه المقولات تمثل إجهاض كل فكرة عالمية مشتركة بما في ذلك الحرية والمساواة والديمقراطية نفسها.لو سألنا ميشيل فوكو مثلاً عن رأيه حول الحرية، سيجيب بأن الحرية في باريس تختلف تماماً عن ماهي في اسطنبول وطهران وبكين، وليست ثمة قواسم مشتركة بين هذه العواصم نفسها من جهة تعريف الحرية. ربما يشاطره جاك دريدا ويقول بإن القيمة الكونية المشتركة تتفكك وتتبخر في الطيف الخصوصية بطريقة لا يمكن التعبير عنها بشكل مباشر مطلقاً. أي لا يمكن تعيين (تعريف) الحرية والمساواة والتضامن أبداً.

في الحقيقة، هذا التقديس للظواهر النسبية المفرطة والهويات الصغرى ستكون عواقبها وخيمة على الظاهرة الاجتماعية، إذ نرى انزلاق التيارات النسوية صوب الهويات الفرعية الانغلاقية، وكذلك ظهور موجة التيارات الثقافية ما بعد عهد الاستعمار التي تستحضر الهويات التاريخية التقليدية سواء كانت الدينية الأصولية أو القوموية البدائية أو المجموعاتية الصغيرة دون انفتاحها على الكلية العالمية، وتشرذم الحركات الإيكولوجية على نفسها وحصر جهودها ضمن نطاق الدعوة الفردية الأخلاقية في معالجة أزمة البيئة الكونية، علاوة على إنعاشها النزعة الإحيائية والصوفية وأنسنة الطبيعة نفسها، وهي بذلك أصبحت رجعية بامتياز.

لكن لم تتوقف حكاية سياسات الهوية عند هذه العتبة، بل تعمقت داخل كل دهاليز الحياة اليومية، فثمة حالياً أفراد يظهرون انتمائهم الشخصي إلى نادي كرة القدم أكثر من دعوتهم إلى استئصال العنصرية والنهب السلطوي والحروب القائمة داخل مجتمعاتهم، وثمة أفراداً يفضلون هوية ممثل/ممثلة معروف/ة في هوليوود على الهوية الوطنية، وكذلك ثمة فئات معينة داخل المجتمع تتماهى مع ثقافة الاستهلاك والموضة على إنها نمط انتاج الحياة والانتماء اللا بديل عنه؛ وتتغاضى في الوقت نفسه عن الأعمال الشاقة التي يقوم بها الأطفال الصغار في جمهورية كونغو الديمقراطية من أجل تأمين المواد الأولية لصالح الشركات التكنولوجية الكبرى مثل آبل وميكروسوفت وسامسونغ وإلخ.المفارقة التي عصفت بتيار ما بعد الحداثة، على الرغم إنه رفع شعار الحرية ضد أنظمة الرأسمالية والاشتراكية والقومية على سواء منذ أحداث الطلبة عام 1968، أنه جرى احتواءه أيضاً في صيغة الرأسمال المالي العالمي أو الرأسمالية المتأخرة كما يقول فريديك جيمسون، لأن تفكك وتشرذم حقول الحياة يقدم طيف من خيارات كبيرة أمام قانون التراكم التسليعي اللانهائي.(11)

استطاعت الرأسمالية المالية احتواء التيارات النسوية من خلال تسليع كل أشكال الغرائز الحميمة الخاصة وتطويق العائلة الابوية التقليدية وتفجير مجتمع المتعة اللانهائية؛ فكل سلعة يجب أن تحمل علامة الإغراء الجنسي والمؤانسة مع الحرية الذاتية. كما نجحت الرأسمالية المالية في استثمار ثقافة ما بعد الاستعمار عبر تشجيع النزعة البوذية الأخلاقية والإسلاموية (بكل صنوفها الطائفية والقبائلية في أسيا والشرق الأوسط وافريقيا") وتلميع صورة الثقافات الفرعية من خلال التنوع الثقافي والتسامح الشعاراتي (الانفتاح على الحجاب والتقاليد الموسيقى الافريقية واليوغا)، وفي هذه النقطة بالذات نستطيع القول إن رأس المال لم يعد بضاعة حصرية ملازمة للثقافة البروتستانتية الغربية، بل يتكيف بصورة مدهشة مع الثقافة البوذية الصينية والإسلاموية التركية والخليجية.

المفارقة الفريدة أن كل من المستثمر بيل غيتس والمضارب الأمريكي جورج سوروس باتوا من مناصري التيار الأيكولوجي الأخلاقي ويبشران بالطاقة المستدامة، ويشجبان الرأسمالية الكلاسيكية. ويدعو بيل غيتس نفسه على إنه اشتراكي إيكولوجي!

القاسم المشترك بين هوية الحداثة الوضعية التي تشدد على سياسات القومية والدينية المتطرفة، وما بعد الحداثة التي تصرّ على الهويات الفرعية المغلقة حسب أوجلان، يكمن في رفض كلاهما التراث التنويري في الحرية والمساواة والتضامن العالمي ضمن التنوع والاختلاف الفريد. وكأن الشلل الذي يعصف بالمؤسسات الدولية التقليدية مثل الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية المدنية والدستورية في حل القضايا الدولية المتراكمة لهي صورة قاتمة ورعشات الموت لما آلت إليها القيمة الأخلاقية والقانونية والإنسانية العالمية.

آفاق الحرية

أمام هذه اللوحة السوداوية التي تأسر الواقع الفعلي يُطرح الكثير من التساؤلات عما إذا لازال هنالك بارقة الأمل في الاعتماد مجدداً على المجتمع البشري المتمتع بقوة العقل الاجتماعي المرن من جهة التفكير والعمل بصورة فريدة. يصيغ أوجلان هذه السؤال على الشاكلة التالية: لماذا المجتمع البشري محروم من خاصية الحرية، سيما أنّ هيغل وسبينوزا والكثير من الفلاسفة والحكماء في الشرق، أكدوا بأن الوعي البشري هو تجلي الحرية والتحرر من الجهل؟

استناداً إلى هذه الفرضية تكون هناك علاقة تكافلية بين ظاهرة الوعي والحرية. يحاول أوجلان برهنة هذه من بوابة النظريات الجديدة في حقول العلوم الطبيعية والإنسانية التي تفتح آفاق جديدة، إذ يشير أنه: "يمكن مراقبة الحرية، ملاحظتها وإدراكها حتى في حقول فيزياء الكوانتم من خلال ثنائية الجسيم- الطاقة. حتى الضوء يمكن تصويره على أنه حزمة من الطاقة تدفق بصورة حرة، والمادة هي شكل طاقة الحرية المحبوسة".

ربما علينا أن نتسآل هنا، كيف يقوم أوجلان بتأويل فيزياء الكوانتم على الظاهرة الاجتماعية بغية تأسيس معايير سليمة داخل علم الاجتماع؟ يجيبنا هو بنفسه بما معناه بأن منطق هيغل لم يكن غريباً عن ظاهرة فيزياء الكوانتم، غير أن فشلنا للوهلة الأولى في رصد حركة الجسيم- والطاقة في نطاق المكان والزمان المحددين يعود إلى سبب ميلنا للتفكير على نحو إيجابي دوماً. وخاصة أن رؤيتنا الشعورية والتصويرية المباشرة تفتش عن الخاتمة اليقينية على غرار ما تقوم بها غالبية الأفلام والمسلسلات الرومانسية بدفع الحبكة الدرامية نحو خاتمة سعيدة مثل إنجاز قصة الزواج وجمع لم الشمل بين العاشقين أو قبلة ما بين الطرفين، علماً أننا نعي بأننا أمام مشاهد حالمة ورومانسية، بخلاف مصير الأبطال الخمسة في فيلم الطريق لـ "يلماز غوناي" الذين اصطدموا في نهاية الفيلم بمرارة فقدانهم لزوجاتهم وأحبائهم.

ربما يساعدنا اللاشعور عند فرويد في التقاط الحلقة الضائعة بين هيغل والكوانتم، ودعنا نأخذ مسيرة جلجامش الذي يتطلع شوقاً (شعورياً) للحصول على عشبة الحياة الخالدة "الهدف المأمول"، وفعلاً يجد جلجامش عشبة الخلود عقب مسيرة شاقة، وهنا ينسل عنصر المفارقة! حيث تلتهم الأفعى عشبة الخلود في لحظة خلوة جلجامش. فكيف علينا أن نفسر هذه الخاتمة؟ من المؤكد هي محزنة ومحبطة لنا مثل نهاية فيلم الطريق، لكن هذا التناقض وعدم التوقع في اللحظة الأخيرة هو بالضبط يعني "لحظة مصادقة الحقيقة"، فهذه الملحمة تقول لنا إن جلجامش ليس خالداً، لكن الجنس البشري هو الخالد. وهذه المفارقة هي لحظة إدراك جلجامش لذاته الحقيقية.

هذا التناقض الوجودي هو ميزة فيزياء الكوانتم، وهو ما يتطابق تماماً مع مفهوم الوعي الكلي (المطلق) عند هيغل، فالكلية كما الذات تحمل دوماً التناقض في جوفها، الحرية تكمن في المصادقة على هذا الحكم والعيش في كنفها (12)، وليست في الانجراف نحو مثالية إيديولوجية التي تبشر بالجنة الموعودة، على غرار زعم فرانسيس فوكوياما أن " الليبرالية نهاية التاريخ"، وهي فكرة تتماهى تماماً مع النهايات السعيدة في الدراما الرومانسية.

وعلى ضوء ذلك، يسعى أوجلان توظيف "الصيغة الكلية ضمن التفرد"، فالكلية تعني الحرية والمساواة والتضامن ضمن التنوع البشري" التفرد" أو الخاصية. الكلية والتفرد عند هيغل تحملان التناقض والاختلاف في جوفهما، وهذا التناقض بحد ذاته هو دافعاً نحو الكلية والفرادة معاً. مثلاً إصرار الكرد في كل من سوريا أو تركيا والعراق وإيران على حقوقهم في المساواة والحرية والديمقراطية والتضامن مع المكونات الأخرى يمثل التناقض مع الهويات التقليدية المغلقة بكل التأكيد؛ بيد أنه في الوقت عينه تقدم لهم الانفتاح صوب الكلية وتحقق لهم الفرادة المحلية في آن معاً، وهو ما يشكل مخرج لتجاوز مآزق الهوية التقليدية الضيقة. نستطيع أن نصف أيضاً مقاومة المرأة الكردية في سوريا ضد تنظيم داعش، بأنها الإصرار على الحرية" التفرد المحلي"، وبنفس الوقت كانت الدفاع عن الحرية العالمية" الكلية" في مواجهة البربرية.

والميزة الثانية في سيرورة هذا الديالكتيك هي أنه لن يقتصر فقط على الطبيعة الاجتماعية، بل يشمل الطبيعة الأولى ايضاً. حيث ستنتج عن الصيرورة التفاعلية بين الطبيعة الأولى " المحيط الحيوي" والثانية "الطبيعة الاجتماعية" مع الطبيعة الثالثة وفقاً للمفكر الأمريكي موراي بوكتشين أيضاً.(13)

تساعدنا هذه الصيغة الهيغلية ليست فقط في حل معضلة القوميات والهويات، بل أبضا في مواجهة المشاكل العالمية والمحلية معاً، مثل أزمة البيئة واللاجئين وحروب الدول القومية في الشرق الأوسط، وانتشار الحركات الجهادية، والفقر المتفشي في العالم وتوسع الدائرة الطبقية بين الفقراء والاثرياء والتفجر العنصري، والذكاء الاصطناعي والاسلحة النووية وإلخ. فهذه القضايا كلها تتطلب معالجة كونية وهي بنفس الوقت منتشرة في النطاق المحلي أيضاً، فالحلول النظرية والمعيارية تتطلب تجاوز سيادة الدولة القومية التقليدية والأصوليات وإيديولوجية اليمين المتطرف، وإلاّ كيف علينا أن نحارب الإرهاب بالمعالجة المحلية وحدها؟ ثم أن أزمة البيئة وانتشار الأسلحة النووية هي خطر على الجميع بدون استثناء، فالحل يكمن في معادلة الكلية ضمن التفرد.

شجب يوتوبيا الخيالية

علينا الانتباه جيداً أن أوجلان لا يطرح يوتوبيا مستقبلية كما يحلو لبعض من ذوي الآراء الضيقة والسطحية ترويجه؛ بل ينطلق من كشف التاريخ المستور والواقع المحجوب المتداخل مع حياتنا اليومية، ويؤكد في هذا الصدد: "إعادة المشاركة في التكيف العظيم بين الطبيعة الأولى والثانية ليس مجرد حنين أو هدف أو وعد يوتوبيات خيالية، بل هو فن الحياة الفاضلة والجميلة وذات المعاني العملية اليومية. لا أتحدث عن الاحيائية، فأنا مدرك لمخاطر هذه المقاربة، كما لا أتحدث عن يوتوبيات جنة" الله"، التي تنادي بها أجهزة مراكمة رأس المال والسلطة.(14)

يدعونا أوجلان، في المقابل، إلى عدم اليأس، فالحرية والمجتمع الأخلاقي والسياسي والديمقراطي والإيكولوجي والتنوع في مفهوم الأمة، كلها مفاهيم وتصورات متحققة في الواقع الفعلي والتاريخ معاً. مهمة أوجلان تنطبق على مقول هيغل في مقدمة كتابه أصول فلسفة الحق "إنارة اللحظة العقلية الخالدة في الواقع المتحقق هذه"(15)، فالحرية هي اللحظة الراهنة والتي رافقتنا في الماضي وسترافقنا في المستقبل، لكنها محجوبة عن أنظارنا نتيجة الأدوات الإيديولوجية والدعائية لأجهزة السلطة، التي تغزو عقولنا ونفوسنا من كل حدب صوب وتحجبها عن إدراك الحقائق. من منا حينما يشتري موبايل من نوع آيفون يخطر على باله بأن قوة العمالة الشاقة للأطفال وسط مناجم المعادن في جمهورية كونغو تقف وراء هذا المنتج. هذه المقاربة تنطبق على خيارات الحرية المحجوبة أمام أنظارنا أيضاً.  

إذاً، الدرس الذي علينا تعلمه من "سيسيولوجيا الحرية" هو مكاشفة ما هو موجود أصلاً عبر الاعتماد على العقل الاجتماعي المرن، فبدون تسليط الضوء من زاوية التاريخ والحاضر على هذا الواقع المحجوب وفضح الإيديولوجية التسلطية ستبدو خيارات المجتمع الأخلاقي والسياسي والديمقراطي لصونه حريته في مواجهة أجهزة رأس المال والسلطة ضئيلة جداً، بل وقد تتعرض إلى التصفية والزوال بحكم القوة التكنولوجيا الطاغية.لذا، يحثنا أوجلان بأهمية العودة إلى جذور القضايا تاريخياً، بغرض إماطة اللثام عن آلية الحضارة المركزية المهيمنة، سيما أن جذور الأزمة العالمية الراهنة مختفية في هوية "الحضارة المركزية المهيمنة" والتي تراكمت وتضخمت على حساب "الحضارة الديمقراطية" منذ تأسيس أولى الدويلات/ الإمبراطوريات في الحضارة السومرية. وهذه التفاصيل سنفرد لها مقالة تحليلية في الحلقة المتبعة. 

المراجع

- عبد الله أوجالان: التاريخ المخفي في يومنا ونحن مخفيون في بداية التاريخ

2- عبد الله أوجلان: مانفسيتو الحضارة الديمقراطية، المجلد الثالث" سوسيولوجيا الحرية"

3- ميشيل فوكو: المراقبة والمعاقبة

4- عبد الله أوجالان: المصدر السابق نفسه

5- إيميل دوركايهم: في تقسيم العمل الاجتماعي

6- عبد الله أوجالان: المصدر السابق نفسه

7- ماكس فيبر: الاقتصاد والمجتمع، الاقتصاد والانظمة الاجتماعية والقوى المخلفات، السيادة

8- عبد الله أوجالان: المصدر السابق نفسه

9- Jean-François Lyotard: The Postmodern Condition: A Report on Knowledge

10- عبد الله أوجالان: المصدر السابق نفسه

11- فريدرك جيمسون: ما بعد الحداثة: المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة

12- slavoj zizek :Less Than Nothing: Hegel and the Shadow of Dialectical Materialism

13- Murray Bookchin: The Philosophy of Social Ecology

14- عبد الله أوجالان: المصدر السابق نفسه

15- هيغل: أصول فلسفة الحق

أحدث الدراسات