احتدام الحرب التركية ضد الكرد في الذكرى المئوية لمعاهدة سيفر

الأربعاء 26-08-2020 | PM 07:37 صورة أرشيفية

ديفيد رومانو

في الوقت الذي تشن فيه تركيا هجمات شبه يومية على المناطق الكردية المنكُوبة في سوريا والعراق المجاورتين، وتسجن نوابها الكرد المنتخبين إلى أجل غير مسمى، وتجبر السلطات العراقية والكردية على العمل كشرطة محلية، فمن الصعب تذكر بأن شهر أغسطس يصادف الذكرى المئوية لاتفاق نص على إقامة الدولة الكردية.

بشكل أساسي وضعت معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس من عام 1920، شروط استسلام الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. قدمت المعاهدة والتي وقعت عليها كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والإمبراطورية العثمانية، وعدا للأقليات الدينية والعرقية في تركيا بضمانات مختلفة لحقوقهم وحمايتهم.

فيما يتعلق بالكرد، نصت المعاهدة على ما يلي: "خلال عام واحد من دخول المعاهدة الحالية حيز التنفيذ، إن رغبت الشعوب الكردية في المناطق المحددة في المادة 62 بمخاطبة مجلس عصبة الأمم على النحو التالي: لإثبات أن غالبية سكان هذه المناطق يرغبون في الاستقلال عن تركيا، وإذا اعتبر المجلس بعد ذلك أن هذه الشعوب قادرة على هذا الاستقلال وأوصى بمنحه لهم، فإن تركيا توافق بموجبه على تنفيذ هذه التوصية، وتتنازل عن جميع الحقوق والملكية على هذه المناطق". (كوردستان القسم الثالث، المادة 64).

تحت قيادة مصطفى كمال (الذي عُرف لاحقًا باسم أتاتورك)، نظمت فلول الجيش العثماني مقاومة عسكرية لبنود المعاهدة. انضمت معظم القبائل الكردية إلى أتاتورك خلال ما أصبح يعرف باسم حرب الاستقلال التركية اقتناعا منها بأنهم يقاتلون لإنقاذ السلطنة والخلافة، وقد وعدوا بالاعتراف والحكم الذاتي في تركيا الجديدة.

أثبتت المعارضة التي قادها أتاتورك ضد سيفر نجاحها، وتم استبدال المعاهدة في عام 1923 بمعاهدة لوزان. أصر ممثلو أتاتورك في لوزان على الشروط المتعلقة بحقوق الأقليات في المعاهدة الجديدة، وفيها تعترف تركيا فقط بـ "غير المسلمين" كأقليات، وتحديداً المجتمعات اليهودية واليونانية والأرمنية. رفض الممثلون الأتراك في لوزان مفهوم الأقليات العرقية في تركيا، وبالتالي رفضوا أيضًا قبول حقوق الأقليات الثقافية أو اللغوية أو غيرها لمثل هذه الجماعات العرقية.

مع خسارة ممتلكاتهم في أوروبا والأراضي العربية، فضلاً عن حملات الإبادة الجماعية ضد المسيحيين في الأراضي العثمانية، برز الأكراد كأقلية كبيرة متبقية في تركيا عام 1923.

وهكذا كان رفض الدبلوماسيين الأتراك الاعتراف بحقوق الأقليات العرقية في لوزان موجهاً بشكل مباشر إلى الكرد. شكلت سياستهم الخطوة الأولى في خيانة الوعود السابقة بالاعتراف والحكم الذاتي للكرد والذين شاركوا في حرب الاستقلال التركية.

في ظل وجود سلطنة وخلافة إسلامية، ربما توقع الكرد (الغالبية العظمى منهم من المسلمين السنة) منزلة متساوية. لذلك كان من المنطقي أن ينضم الكرد إلى الأتراك في القتال من أجل هاتين المؤسستين في عام 1920. لكن أتاتورك ألغى السلطنة في عام 1923 والخلافة في عام 1924، واستبدلهم بمفهوم الدولة القومية العلمانية المستوردة من بعض دول أوروبا.

أخذ الفكرة من فرنسا على وجه الخصوص، بدأ أتاتورك بمحاولة دمج الدولة والأمة التركية بشكل كامل، مما يعني أنه لن يُسمح إلا بالهوية القومية العرقية التركية في تركيا الجديدة. وعلى الفور تم حظر اللغة والثقافة والموسيقى والأسماء الكردية وأي مظاهر أخرى للهوية الكردية.

لم يكن الأمر مفاجئًا بأن يتمرد الكرد ضد علمنة الدولة الجديدة وسياسة التتريك في سنوات 1925 وما بين اعوام 1927-1930. تم قمع هذه الثورات والعديد من الثورات اللاحقة بوحشية.

اعترف الكثيرون بقمع الثورة الكردية في ديرسم (التي أعيدت تسميتها بتونجلي من قبل السلطات التركية) بين عامي 1937 و1938، على أنها إبادة جماعية، حيث قُتل ما بين 10 آلاف و30 ألف شخص، بمن فيهم مدنيون مختبئون في الكهوف قُتلوا بالغاز السام أو أحرقتهم القوات التركية وهم أحياء.

عندما بدأت الاحتجاجات الكردية تتجلى مرة أخرى في تركيا في الستينيات، حذرت إحدى الدوريات القومية التركية اليمينية الكرد من "تذكر ما جرى للأرمن" – وهذا الأمر يناقض إلى حد ما خطاب القوميين الأتراك الذين يرفضون مطلقا الاعتراف بأن العثمانيين ارتكبوا إبادة جماعية بحق أرمن الأناضول، والذين انخفض عددهم من حوالي 2 مليون في الإمبراطورية العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى إلى عدد قليل بعد عام 1915.

باستثناء تدخل تركيا في قبرص في عام 1974، بدا أن القوات المسلحة التركية تخصصت في أمر واحد فقط منذ إنشاء الجمهورية التركية وهو قمع الكرد. فبصرف النظر عن قبرص والمشاركة في الحرب الكورية وحملة عاصفة الصحراء عام 1991 في العراق، فإن أكبر العمليات العسكرية التركية في القرن العشرين كانت مكافحة تمرد الكرد.

جرت معظم الحملات العسكرية داخل تركيا، ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضي فصاعدًا، شن الجيش التركي أيضًا غارات عبر الحدود في العراق لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وهكذا يستمر حتى يومنا هذا.

كان غزو تركيا واحتلالها لمدينة عفرين في شمال سوريا في عام 2018 يستهدف الجماعات الكردية السورية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني هناك. ولنفس الهدف كان الغزو التركي في تشرين الأول / أكتوبر 2019 واحتلال أجزاء من شمال سوريا شرقي.

على الرغم من عدم وقوع هجمات كبيرة من القوات الكردية في سوريا على تركيا منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011، ادعت تركيا أنها بحاجة لاحتلال وإنشاء "مناطق عازلة" في شمال سوريا. هددت الغزوات التركية بشكل خطير العمليات التي يقودها الكرد ضد تنظيم داعش في سوريا.

وقد لا يعرف المرء أن هناك ضربات تركية أسبوعية تقريبًا في كردستان العراق بسبب التغطية الإعلامية القليلة، واستمرت منذ عدة سنوات مع وجود خطاب مماثل بشكل ملحوظ حول "المناطق العازلة" الضرورية. وشهدت سلسلة العمليات الأخيرة هذا العام مثل (مخلب النمر، مخلب النسر) انتشار القوات البرية التركية في المنطقة، بالإضافة إلى القواعد التركية الموجودة بالفعل في كردستان العراق منذ منتصف التسعينيات.

والمناورات في صيف عام 2020 تبدو أنها تمت بالتعاون مع القوات الإيرانية، فالضربات الجوية التركية ضد مقاتلي حزب الحياة الحرة في كردستان الإيرانية (بجاك)، وهو حزب إيراني كردي متحالف مع حزب العمال الكردستاني.

في الآونة الأخيرة، قتلت غارة تركية بطائرة مسيرة ضابطين رفيعي المستوى في الجيش العراقي كانا يلتقيان مع مسلحي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق بعد اشتباكات بين الطرفين. احتجت كل من بغداد وأربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي، مرارًا وتكرارًا على انتهاكات تركيا للسيادة العراقية، ولكن من دون تأثير يذكر.

وتطالب تركيا بحقها في الدفاع عن نفسها والتصرف ضد وجود حزب العمال الكردستاني في العراق أو الجماعات الكردية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني في سوريا. لكن إذا كان مجرد وجود مثل هذه الجماعات، لا سيما في المنطقة الجبلية جدا والتي يصعب السيطرة عليها على طول الحدود، يبرر غزو واحتلال الأراضي العربية، فيمكن نظريًا استخدام منطق مماثل من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة لاستهداف قادة حماس الفلسطينيين الذين تستضيفهم اليوم تركيا في أنقرة واسطنبول، ناهيك عن الدول العربية التي تطلق ضدها حملات دعائية واسعة النطاق من قبل منتقدوها الإسلاميون ويعملون من داخل الأراضي التركية.

يبدو بأن النهج التركي الرسمي خلال المائة عام الماضية وكأنها سياسة معارضة للحكم الذاتي الكردي "حتى لو كان في ألاسكا"، كما تقول النكتة التركية الشعبية. عندما غزت تركيا شمال سوريا في عامي 2018 و2019، كان أحد المبررات التي قدمها القادة الأتراك أنهم لا يريدون "رؤية سوريا تصبح شمال عراق آخر" وبهذا، كانوا يقصدون بالطبع الحكم الذاتي الكردي في العراق.

بعد مائة عام من معاهدة سيفر، يبدو الأمر مثل التعبير الذي يقول "كلما تغيرت الأحوال، كلما بقيت على حالها".

 

- ديفيد رومانو: أستاذ جامعي بجامعة ولاية ميسوري لشؤون سياسة الشرق الأوسط

-- المصدر: صحيفة Arab News السعودية

أحدث الدراسات