في حضرة احتضار النهر الخالد.. المياه وتأثيرها على مستقبل القضية الكردية

الأحد 05-07-2020 | PM 03:01 الصورة من صفحة الصحفي الكردي محمد حسن

سليمان محمود

مدخل:

باتَ موضوعُ ندرةِ المياه العذبة والحاجة إليها موضوعاً هاماً يشغلُ العديدَ من الهيئاتِ العلميّة والسياسيّة الدوليّة، لِما للماء من دورٍ حيويّ لا يُضاهيهِ في ذلكَ أيّةُ مادةٍ أخرى وذلكَ لاستمراريّة الحياة وديمومة التطوّر. ولكنّ مشكلةَ نقصِ المياه العذبة تأخذُ طابعاً حاداً في الشرق الأوسط، والذي يشكّلُ الشعبُ الكرديّ جزءاً من النسيج البشريّ لهذه المنطقة، وبالتالي فهو مَعنيّ بطبيعة الحال بهذه المشكلة.

وتُشيرُ كافةُ الدلائلِ إلى أنّ أهميّةَ المياه العذبة سوفَ تزدادُ خلالَ السنواتِ القليلة القادمة في هذه المنطقة، لتُضاهي بذلكَ أهميّةَ النفطِ، وذلكَ ترافُقاً مع الازديادِ الهائل في عدد السكّان من جهةٍ، وازدياد الطلب على المياه العذبة الصحيّة من جهةٍ أخرى. كلُّ ذلكَ ترافقَ مع التطوّر الحضاريّ والمدنيّ. لذا نجدُ أنّ الكثيرَ من الهيئات السياسيّة والأكاديميّة في الدول المتطوّرة تشكّلُ حلقاتٍ متخصّصة لبحث مشكلة النقص في المياه العذبة على المستوى الدولي، وعلى وجه الخصوص في الشرق الأوسط الذي يعتبَرُ أفقرَ مناطق العالم مائيّاً.

وقد بدأتْ دولُ المنطقة في الآونة الأخيرة، ولا سيما تركيا وإسرائيلَ، تولي اهتماماً متزايداً لموضوع المياه، أمّا بالنسبة لنا، نحن الكُردُ، فلا زال هذا الموضوع الحسّاس مسألةً كماليّةً، لا يتعدّى اهتمامنا بها حدودَ بعض المقالات والتي تفتقرُ إلى أيّة دراسةٍ علميّةٍ منهجيّةٍ، ولا زالَ الحديثُ عن هذه المشكلة الحيويّة محصوراً بينَ عددٍ ضئيلٍ جداً من الأكاديميين، وبشكلٍ جزئيِ جداً.

ففي منطقةٍ تُعتبَرُ الأفقر عالميّاً والأكثر حاجةً إلى المياه العذبة، تشكّلُ كردستانُ منبعاً وخزّاناً مائياً ضخماً، تمدُّ المنطقةَ بأسرها بعنصر الحياة- الماء- وفي الوقت الذي بدأت ملامحُ الصراع على هذه الثروة، التي تُعتبرُ كرديّة، تظهرُ بوضوحٍ أكثر فأكثر بين دول المنطقة وحتى القوى العالميّة، فإنهُ الأجدرُ بالشعب الكرديّ أن يفهمَ قواعدَ لعبة هذا الصراع، وأن يعي أهميّةَ الثروة الهائلة التي تتواجدُ على أراضيه، حتى تكونَ المياهُ عاملَ خيرٍ وتطويرٍ للشعب الكرديّ، لا عاملَ دمارٍ وإذلالٍ وتدميرٍ كما كانَ النفطُ.

المياه ودورها في الحياة:

المياهُ تعني باختصار الحياة، فليسَ من قبيل الصدفة أو التسلية أنّ الدراساتِ والرحلات الفضائيّة الكونيّة تركّزُ على مسألة واحدة، هي مسألةُ إمكانيّة وجود الماء على أحد الأجرام الفلكيّة، ليتمّ الإثباتُ على وجدود الحياة أو إمكانيّة إيجاد الحياة على سطح ذلكَ الجُرم.

يدخلُ الماءُ في جميع جوانب الحياة دونَ استثناء، ابتداءً من التركيب البنائيّ لأجسام الكائنات الحيّة، مروراً بالحاجة المستمرّة لها لاستمراريّة الحياة والنموّ، كما أنّ النشاطَ البشريّ مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالمياه، وتكفي الإشارةُ إلى أنّ معظمَ الحضاراتِ القديمة تشكّلتْ حولَ أحواض الأنهار، وكانتِ المياهُ دوماً مصدراً لنشوءِ التمدُّن والاستقرار والتطوّر الحضاريّ، وكانت موجاتُ الهجرات البشريّة يبدأُ حينَ يبدأُ انحسارُ المياه وإلى حيثُ المناطق الغنيّة بالمياه. فالماءُ عنصرٌ أساسيٌ في الزراعة والصناعة، كما تُعتبرُ مصدراً هاماً من مصادر الحصول على الطاقّة النظيفة (الكهرباء)، وهو العنصرُ المحوري في تأمين الغذاء (الأمن الغذائي) والذي يشكّلُ بدورهِ مفتاحاً للأمن والاستقرار في المجتمعات.

وعلى العمومِ فإنّ أحدَ أهمّ المقاييس التي تعبّرُ عن التطوّر الحضاريّ لمجتمعٍ ما، هو مقدارُ متوسّط استهلاك الفرد للماء.

بقيَ أن نشيرَ إلى أنّ الأحواضَ المائيّةَ وتوزّع المياه في المناطق الجغرافيّة تلعبُ دوراً هاماً في التوازن البيئيّ، إذ يؤدّي الاختلال في كميّة المياه وتوزّعها الجغرافيّ إلى تغيّراتٍ بيئيّة وبيولوجيّة عميقة، مثل عمليّات التصحّر وإحداث تغييرات على الغطاء النباتيّ والحيوانيّ لأيّ منطقةٍ جغرافيّة، بل إنّ الأمرَ قد يصلُ إلى تغييراتٍ جيولوجيّة كإحداث الزلازل.

مشكلةُ المياه في الشرق الأوسط:

باستثناءِ كردستانَ ولبنانَ والأناضول، تُعتبرُ بقيّةُ مناطق الشرق الأوسط فقيرةً بالمياه، إذ يمكنُ اعتبار كردستانَ المنبعَ الرئيسيّ للمياه في المنطقة. فمِن أراضيها ينبعُ أهمُّ نهرين هما دجلةُ والفرات وروافدهما، يضافُ إلى ذلكَ العديد من الأنهار الصغيرة والمتوسطة، مثل سيحان وجيحان وآراس وغاما سياب وجاغاتو وعفرين وصابلاخ، والعديد من البُحيرات مثل وان وأورمية، وبحيرات أخرى صغيرة مثل خامزار ودوكان ودربندخان وخاتونيّة.

أمّا أهمّ الأنهار الأخرى في المنطقة فهي العاصي ونهر الأردن بروافده والليطانيّ وبعض الأنهار الأخرى الصغيرة. وعلى العموم تُعتبَرُ منطقة الشرق الأوسط من أفقر مناطق العالم مائيّاً، وفي العديد من الأبحاث والدراسات التي تُجريها المراكزُ المتخصّصة في البلدان المتطوّرة تشيرُ إلى أنّ المنطقةَ سوفَ تعاني من نقصٍ حادٍ في المياه العذبة.

إنّ ما يزيد من تعقيد المشكلة في بلدان الشرق الأوسط ليس فقط ندرة المياه، وإنما أيضاً نوعيتها، إذ أنّ معظمَ مياه الأنهار تكونُ ملوّثة بموادَ كيماويّة ومخلّفات النفايات الصناعيّة. وفي حال قيام تركيا باستكمال مشروعاتها على الفرات، وهذا ما هو مستبعَدٌ حتى 2040، فإنّ ذلكَ سوف يسبّبُ نقصاً كبيراً في المياه الجارية إلى سوريا، وما سيسببُ ذلكَ من مشاكلَ بين الدولتين قد تصلُ إلى الحرب.

إنّ دورَ المياه أكبرُ على مستقبل القضيّة الكردية من دور النفط، ومقدار الفائدة منها يكونُ في مقدار قدرة الشعب الكرديّ على التحكّم بموارده المائية. وعلى العموم فإنّ توزُّعَ المياه في منطقة الشرق الأوسط هو توزّعٌ غير متساوٍ، حيثُ أنهُ هنالكَ مناطق ودول غنيّة وأخرى فقيرة.

أمّا بالنسبة لكردستانَ، فهي تمتلكُ مورداً مائياً هائلاً، فيمكنُ اعتبار كردستان خزّاناً مائياً هائلاً في منطقة الشرق الأوسط القاحلة. إنها تملكُ فائضاً هائلاً عن حاجتها إلى المياه، فلا توجدُ مناطقُ تعاني من نقص في مواردها المائية، وحتى بالنسبة لنوعية المياه الجوفية تعتبرُ مياهُ كردستانَ أكثرَ عذوبةً وصلاحيةً للشُرب والاستعمال من باقي مناطق الشرق الأوسط.

ما يزيدُ من تعقيد مشكلة المياه في الشرق الأوسط ليس فقط ندرة المياه العذبة وعدم التوزّع المتساوي فقط، بل أيضاً مسألة التلوّث والاستخدام غير الرشيد لها، بالإضافة إلى التكلفة الباهظة لمشاريع تطوير المصادر البديلة كتحلية مياه البحر أو إعادة معالجة المياه المستخدمة سابقاً والتي غالباً ما تفتقر إليها معظم دول المنطقة، كلُّ ذلكَ إضافةً إلى العلاقات غير الطبيعية وغير الوديّة بين مختلف دول المنطقة، ناهيكَ عن الحروب والنزاعات التاريخية والمستمرّة، إضافةً إلى بقاء العديد من المشاكل المعلّقة غير المحلولة، وعلى رأسها القضيّة الكرديّة في المنطقة، وفوق هذا وذاكَ طبيعة الأنظمة الحاكمة، والتي تفتقرُ إلى الرواية الصحيحة والمخلصة لحلّ قضايا المنطقة، وأساليبها البالية والضّارة في التشبّث بالسُلطة، وعدم فتح المجال لمناقشة مشاكل المنطقة بشكلٍ علميّ وجدّي وموضوعيّ بهدف إزالتها.

ومن طرفٍ آخرَ يلعبُ القانونُ الدوليّ وغموض بنوده فيما يتعلّقُ بالمياه الدولي (أي المياه التي يشتركُ فيها أكثر من دولة)، يلعبُ هذا الغموضُ دوراً في ازدياد مخاطر مشكلة المياه في الشرق الأوسط. حيثُ لا توجدُ قوانين محدّدة لتوزيع المياه بين الدول المشتركة للحوض المائي للنهر الدوليّ، إنما هنالك مجموعةُ أعراف ومبادىء عامة ترسّختْ مع مرور الزمن. وعموميّة النصوص، بحيثُ يؤدّي إلى تفسيراتٍ مختلفة، مثلاً مسألة استخدام المياه بحسب الحاجة الاجتماعية والاقتصادية للدول في كل من حوض النهر وعدم الإضرار بالدول الأخرى في الحوض، بحيث يفسّرُ كلُّ طرفٍ هذه البنودَ بحسب تفسيره الخاصّ. يبقى الدورُ الأساسيّ والأهمّ لحلّ النزاعات حول المياه، الحوارُ والتفاهمُ، وهذا ما هو مفقودٌ للأسف في الشرق الأوسط.

خلاصة:

نستطيعُ القول إنّ منطقة الشرق الأوسط تعاني من نقصٍ في الموارد المائية وحاجتها متزايدة لها، وتلعبُ العديدُ من العوامل لتوتير الأوضاع في المنطقة، بحيث يؤدي الأمرُ إلى صراعاتٍ وحروبٍ قد تحدثُ في المنطقة حولَ المياه ومصادرها، خاصةً بين الدول التي تمتلكُ موارد فائضة وتتحكّمُ بالمنابع، والدول الأخرى التي يهددها الحاجةُ وتفتقرُ إلى المنابع.

السياساتُ المائية في الشرق الأوسط وتأثير المشاريع المائية عل القضيّة الكرديّة:

إنّ الدولةَ الأكثر غنىً بالمياه هي تركيا، والتي بيدها أهمّ أوراق لعبة المياه، لذلكَ تؤثّرُ سياستها المائيّة تأثيراً مباشراً على المنطقة، لذلكَ بدأت تركيا بإقامة مشاريعَ ضخمة على مواردها المائية، كمشروع تطوير جنوب شرق الأناضول ويسمّى (gap). يضمّ جملةً من المشروعات الجزئية، منها مشروع الفرات الأسفل ومشروع الفرات الحدودي ومشروع غازي عنتاب وسروج وباطمان... هذا بالإضافة إلى المشروع المسمّى مشروع (أنابيب السلام) والذي يهدفُ إلى إيصال مياه الشرب من تركيا إلى العديد من دول المنطقة.

إنّ سياسةَ تركيا المائية ومشروعاتها الضخمة في جنوب شرق الأناضول(كردستان) تهدفُ بشكلٍ رئيسيّ إلى ما يلي:

1-    سحب البساط من تحت أقدام الحركة التحررية الكرديّة، وذلكَ بالتوجّه إلى بعض المشاريع الإنمائية كبديلٍ لحلّ المسألة الكرديّة. لذلكَ تمّ التوجّه نحو التطوير الجزئيّ للبنية الاقتصاديّة، ولا سيما الزراعة في المنطقة، كأحد طرق مواجهة التطوّر في الحركة القومية الكردية، بالإضافة إلى العنف والصهر ودمج الكرد في الحياة العامة (التتريك).

2-    الأهدافُ الاقتصادية لتركيا، ومنها توليد الطاقة الكهربائية لمواجهة النقص في مصادر الطاقة الأخرى وتطوير الزراعة وذلكَ لجعل تركيا (سلّة الغذاء) للشرق.

3-    استخدام المياه كورقة للمساومة والضغط على الدول المجاورة، كسوريا في العديد من القضايا مثل مياه نهر العاصي ومسألة إسكندرون بالإضافة إلى التعامل مع حزب العمال الكردستاني.

4-    التحوّل إلى قوّة إقليمية تمسكُ بأهمّ عنصر مؤثّر في مستقبل المنطقة (الماء)، واستخدامه كقوة مؤثرة في السياسة الخارجيّة.

أمّا بالنسبة لسياسة سوريا المائيّة، فرغمَ أنها أوّل الدول التي سعتْ في المنطقة إلى ضبط مواردها المائيّة بصورةٍ موسّعة (سدّ الفرات)، إلاّ أنّ عدمَ وجود موارد مائيّة كافية داخل أراضيها جعلت من سوريا بلداً متأثّراً أكثر مما هو مؤثّر في اللعب بورقة المياه، لذلك تسعى سوريا دوماً إلى العمل بكلّ الوسائل لضمان استمرار جريان المياه إليها من الدول المجاورة (تركيا- لبنان).

أمّا العراقُ فهي من أكثر المتأثرين بمشكلة المياه، لأنّ معظمَ مصادرها المائية تأتي من الدول المجاورة، بل تتحكّمُ أكثرُ من دولةٍ بصمير المياه المتوفّرة للعراق (تركيا- سوريا- إيران)، لذلكَ تسعى الدولةُ العراقية إلى التشبّث بمياه غرب كردستان.

والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَهُ: ما تأثيرُ مشروعات المياه على القضيّة الكرديّة؟

إنّ المشاريعَ المائيّةَ التي تقامُ في المناطق الكرديّة لا بدّ أن تؤثّر إيجابياً على البنية الاقتصاديّة للمناطق الكرديّة، ولكن إلى أيّ مدى سوفَ يستفيدُ الشعبُ الكرديّ من هذه المشروعات وإلى أي حدٍّ سوف يستطيعُ استغلالَ مواردهِ المائية لصالحهِ. فهذا يتوقّفُ على مدى قُدرة الحركة الكرديّة على لعب دورٍ مؤثّرٍ في سياسة المنطقة، ومدى قدرتها على استيعاب المعطيات الجديدة وتسخيرها لصالح القضية الكردية، حيثُ أنّ السياساتِ المائيةَ بجانبيه الاقتصادي والسياسي تؤثرُ بشكلٍ مباشرٍ على بقية جوانب القضيّة، وعلى مستقبل الشعب الكرديّ. وكمثالٍ مشخّصٍ على هذا التأثير نردُ المثالين التاليين:

1-    لقد أدّى بناءُ سدّ الفرات في سوريا إلى الإسراع بتطبيق مشروع الحزام العربي في منطقة الجزيرة، وبذلكَ تحوّلَ هذا السدّ إلى وبالٍ على الشعب الكرديّ.

2-    مشروعُ(gap) يهدفُ فيما يهدفُ إليه إلى تطويق والقضاء على الحركة الكرديّة في شمال كردستان، ناهيكَ عن ازدياد الأطماع الدولية في العلاقات الاقتصادية مع تركيا، وتحوّل تركيا إلى قوة إقليمية. كلّ ذلكَ على حساب الشعب الكرديّ وقضيّته.

ولكنْ بون شكّ ومع ازدياد أهميّة الماء، لا بدّ أن تبرزَ بشكلٍ أقوى وأقوى المسألة الكرديّة وتساعد على تسليط المزيد من الأضواء عليها، ويحققّ للشعب الكرديّ مكاسبَ كبيرة فيما لو أجادَ استخدام سلاح الماء.

آفاقُ تأثير المياه على القضيّة الكرديّة:

إنّ الحاجةَ المتزايدةَ إلى مياه كردستانَ سوفَ تدفعُ بدول المنطقة- ليس فقط المقتسمة لكردستان فحسب، بل جميع دول المنطقة- إلى مزيدٍ من الاهتمام بالمسألة الكرديّة، وكذلكَ الأمر بالنسبة للقوى الدولية، خاصةً مع ازدياد قيمة المياه كسلعةٍ وورقة ضغط. أي أنّ القضيةَ الكردية مرشّحةٌ للمزيد من تسليط الضوء عليها والاهتمام بها، مما يزيدُ من مهام وواجبات الحركة الكردية لاستغلالٍ ناجحٍ للثروة المائية.

ما السيناريوهات المحتملة لأزمة المياه في المنطقة؟

السيناريو الأوّل: هو احتمالُ قيام صراع عنيف وحرب مدمّرة يشتركُ فيها أحلافٌ من دول منطقةٍ حسّاسةٍ مثل الشرق الأوسط، سوف تدفعُ بالقوى الدولية إلى أتونها مما ينذرُ بحربٍ شامل، وبطبيعة الحال سوف تكونُ كردستانُ مسرحها الرئيسي.

السيناريو الثاني: هو قيام حربٍ محدودة في المنطقة، وخاصةً بين القوى المتجاورة والمتشاركة في مياه الأنهار الرئيسية (دجلة - الفرات). إنّ هذا السيناريو أكثر قابلية للحدوث من السابق، وذلكَ لأنه من المستبعد أن تنجرّ القوى الدولية إلى حربٍ شاملة أو السماح بتوسّع نطاق الحرب رغمَ أهميّة وحيويّة مسألة المياه. في هذه الحالة فمن المتوقّع جداً أن يتمّ بحث المسألة الكرديّة بشكلٍ جدّي في أيّة تسويةٍ في المنطقة، وذلكَ لأنّ معظمَ المصادر المائية في المنطقة تقعُ في كردستانَ أولاً، ولأنه من المستبعد تحقيقُ السلام والأمن في المنطقة وهذا أمرٌ هام جداً بالنسبة للقوى الدولية دونَ حلٍ معقولٍ للقضية الكردية.

السيناريو الثالث: وهو إمكانية توصُّل دول المنطقة إلى اتفاقٍ مرضيّ بينها حول مسألة المياه. ففي هذه الحالة إمّا أن تسعى كل دولة إلى الاتفاق مع الحركة الكردية، في الجزء الواقع ضمن حدودها، وإن كان ذلكَ مستبعداً في الأفق المنظور، أو محاولة دول المنطقة مجتمعة المساومة على حساب الشعب الكردي كما كان يجري عادةً. وفي هذه الحالة فمن غير الممكن تأمين الأمن والاستقرار في المنطقة، لأنّ الشعبَ الكردي لن يرضى بأيّ شكلٍ من الأشكال أن يموتَ عطشاً في حين يتقاسم الآخرون ثروته المائية، وسوفَ يفتحُ هذا الأمرُ المجالَ واسعاً لتدخّل بعض الدول الإقليمية المتضرّرة في موضوع المياه، مستفيدةً من الورقة الكردية، إضافةً إلى القوى الدولية التي تنظرُ إلى المياه كمصدرٍ للطاقة لا يقلّ عن النفط أهميّةً. إنّ هذا الاحتمالَ يجعلُ المنطقةَ معرّضةً لعدم الاستقرار المستمرّ ولتدخّل القوى الخارجيّة على حساب جميع شعوب المنطقة.

ما هي الواجبات الواقعة على عاتق الحركة الكرديّة في سبيل الاستفادة من الثروة المائية المتوافرة في كردستانَ لما فيه مصلحة الشعب الكرديّ؟

أولاً: من الضروري جداً أن تكون الحركة الكردية على قدر المسؤولية وتأمين ما تتطلّبه المرحلة المقبلة من وحدة الكلمة والموقف، لما لذلك من أثرٍ بالغٍ على تحوّل الحركة الكردية إلى قوّةٍ فاعلة لا يمكنُ تجاهلها أو محاولة الالتفاف عليها في أيّة تسويةٍ مقبلةٍ في المستقبل.

ثانياً: نظراً للظروف الراهنة التي يعاني منها الشعب الكردي من تقسيمٍ بين عدّة كياناتٍ في المنطقة، فمن المفروض قيام العلاقات بين مختلف القوى السياسية الكردية في مختلف الأجزاء، على قاعدة الاحترام المتبادل واحترام خصوصيّة كلّ جزء، والإيمان بتمثيل الحركة الكردية في كل جزء لآمال وأماني الشعب الكرديّ، والتعاون والمساندة بين كلّ جزءٍ وآخر، بحيثُ يتحوّل كل جزء من كردستان وحركته إلى عُمقٍ استراتيجي للحركة الكرديّة في الجزء الآخر.

خاتمة:

إنّ شعورَ شعوب المنطقة جميعاً بأهميّة وحساسيّة موضوع المياه وضرورة حلّها بشكلٍ عقلانيّ، بعيداً عن منطق الوصاية وفرض لغة الاحتكار والقوّة. أي أن تتداركَ شعوبُ المنطقة الخطرَ المحدقَ بها، والتوصّل إلى حلٍ مقبولٍ يرضي الجميعَ وضمناً الشعب الكرديّ، وذلكَ على قاعدة التعاون والتضامن بين شعوب المنطقة، واستغلال مواردها الطبيعيّة لما فيه مصلحة الجميع، هذا هو السيناريو الذي يجبُ مناقشتهُ، فكما يملكُ الشعبُ الكرديّ ثروةً مائيّةً كبيرةً يمكنُ أن تستفيدَ منها الشعوبُ المجاورةُ، فإنهُ بحاجةٍ إلى تعاون هذه الشعوب لتأمين حاجاته الأخرى، ليس أقلّها أهميةً الشاطىء البحريّ والطاقة الشمسيّة والتعاون التقني والثقافي والسلام والأمن اللازم لأيّ تطوّرٍ أو تقدّم.

إنّ المواردَ المتوافرة في منطقة الشرق الأوسط من المياه كافيةٌ لجميع شعوب المنطقة في المستقبل المنظور، خاصةً إذا كان هناك تعاونٌ ومساعدة وتضامن في سبيل الترشيد في الاستهلاك وتنمية المصادر البديلة وحماية المياه من التلوّث والهدر، لكلّ ما سبق هناك حاجةٌ ماسّة وضروريّة للحوار بين جميع شعوب المنطقة للتنسيق والتعاون في سبيل حلّ جميع مشاكل المنطقة، ومن ضمنها المياه بعيداً عن شبح الحروب والصراعات المريرة.

 

--الصورة من صفحة الصحفي الكردي محمّد حسن على "فيس بوك"