نزعة الهيمنة والاستعمارية التركية ومخاطر الفوضى الشاملة!

الجمعة 21-02-2020 | PM 09:22 صورة أرشيفية

قسم الرصد والتحليل في المركز الكردي للدراسات

تقييم موقف*

اتسمت السياسة التركية في السنوات الاخيرة من حكم حزب العدالة والتنمية بطابع التدخل العسكري المباشر وغير المباشر في الشؤون الداخلية للعديد من الدول في المنطقة. فهناك عشرات المناطق التي تحاول تركيا تفعيل حضور لها، وخلق التأثير في واقعها ومستقبلها، مقدمة العديد من الحجج والذرائع التي تتراوح بين التاريخي والديني والايديولوجي. وهذا الحضور التركي بات يشكل عامل لااستقرار واضح، وجزء من المشكلة، ومعيقا للحل والاتفاق بين أطراف الصراع هنا وهناك.

في هذه الورقة سنحاول تسليط الضوء على سياسة التدخل التركية في المنطقة، ومحاولة الدولة التركية التمدد في مناطق الصراعات والحروب الاهلية، والاستفادة من تفكك الدول وتصدر الميليشيات، في ترسيخ نفوذ وحضور لها، وذلك ضمن مشاريع متخيلة مستنبطة من التاريخ، كمشروع "العثمانية الجديدة"، الذي بات يشكل مرجعية ومنطلقا للحزب الحاكم، وكذلك لمجموعة اخرى من القوى السياسية، وبعض النخب الثقافية والاجتماعية التركية. بالاضافة إلى مشروع "العثمانية الجديدة"، ثمة كذلك مشروع آخر، يحتل حيزّا جغرافيا أقل، هو مشروع "الميثاق الملي"، الذي لا يعترف بالحدود المرسومة والمعترف بها دوليا لكل من سوريا والعراق واليونان، وهو مشروع مركون على الرف، لكنه ينتظر القوة والاقتدار العسكري وفائض الاقتصاد والبشر، لتنفيذه.

الدولة التركية التي يحكمها تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، تعمل الآن على التمدد في المحيط الجغرافي الذي تطلق عليه اسم "الولايات العثمانية السابقة". وهي ترى لنفسها الحق في التدخل والحضور، بشكل عسكري مباشر (كما الحال في سوريا والعراق)، أو على شكل دعم ميليشات الحرب ذات الاعتقاد الجهادي (كما الحال في ليبيا)، بغية تشكيل مناطق نفوذ تساعدها في فرض رؤاها واجندتها، وتحسين موقعها التفاوضي في العديد من الملفات مع القوى الاقليمية والدولية. انها سياسة ابتزاز وتهديد وبلطجة وجد فيها أردوغان مساحة مناسبة للمناورة وحصد المكاسب، مستغلا التوازنات الداخلية والاقليمية التي تدفع بالعديد من الاطراف إلى تفضيل الهدوء والدبلوماسية وعدم التصعيد معه. انه يتجاسر أكثر وأكثر في الابتزاز والتهديد، في حال عدم تلبية مطاليبه (والتي هي غالبا ما تكون اقتصادية/مالية)، والتحول لطرف يثير القلاقل ويدفع بقوى الفوضى واللاستقرار للامام. وهذه السياسة أتت أوكلها في العديد من المراحل، فالاتحاد الاوروبي، مثالا، بات يخشى تركيا في مواضيع مثل السماح لملايين اللاجئين بالزحف على أوروبا، ودعم الجماعات السلفية الجهادية الارهابية في الغرب، وتجنيد الاستخبارات التركية لعصابات المجرمين والخارجين عن القانون، وتثوير الجاليات الاسلامية لاثارة المشاكل في المدن الاوروبية الكبيرة.

الحزب الحاكم في تركيا مغرم بالشعارات الكبيرة، وهو يتطلع إلى دور رئيسي في العالم الاسلامي، لكنه على الصعيد الاقتصادي الداخلي فشل، ولم يحقق النمو والتطور المنشود. كذلك تردت أحوال الحريات العامة، واقصيت الصحافة، وانتهكت حقوق الانسان، وعمّ الفساد والرشوة، حيث الحديث عن تورط عائلة أردوغان في نهب المال العام، وتمريرها لصفقات على حساب الدولة. لذلك اختار أردوغان طريقة معروفة في مثل هذه الحالات، وهي الهروب من الازمات الداخلية إلى افتعال حروب ومواجهات وازمات في الخارج، يقول انه لجأ إليها ل"حماية تركيا ومنع انقسامها والاعتداء على حقوقها وسيادتها"!. وقبل الانخراط في التدخل الخارجي، ودعم الارهاب والميليشيات الجهادية، ونشر الحروب والفوضى، بغية البقاء في السلطة وقمع كل الاصوات المطالبة بالاصلاح والديمقراطية ومحاربة الفساد، عمّد أردوغان إلى تنفيذ ثلاثة أمور، لم يكن بدونها قادرا على التصرف بحرية، حيث الضوء الاخضر الممنوح من مراكز الدولة، والتكتل، باختيار أو باجبار، وراء سياسته في الانخراط في الازمات والحروب الاقليمية. وهذه الامور هي:

أولا: ابعاد واقصاء الاطر القيادية لحزب العدالة والتنمية من المعارضين لسياسته وتفرده بالحكم، والايعاز لوسائل الاعلام والموالين له بشن حملة تشويه وتخوين واسعة بحقهم.

ثانيا: القيام بحملات "تطهير" واسعة داخل مؤسسات الدولة من جيش واستخبارات وشرطة وقضاء، وفصل واعتقال كل من يشك في ولائه لسياسة أردوغان، وتحكمه بمفاصل الدولة، وذلك تحت يافطة "الانتماء لجماعة غولن".

ثالثا: الاعتماد على حزب الحركة القومية، والذي أصبح تابعا ورافدا لحزب أردوغان، بعد اعلان الحزب الحاكم الحرب على الشعب الكردي في داخل وخارج تركيا، وتصعيد الخطاب العنصري القومي التركي، وتجنيد الآلاف من المرتزقة السوريين وغيرهم لشن حرب الابادة والتطهير العرقي ضد الكرد في سوريا. ومن هنا يمكن القول بأن "الذهنية التي تحكم تركيا الان والتي تتوحش في الحرب والقتل ضد الشعب الكردي داخل وخارج سوريا، هي ذهنية الاتحاد والترقي. حزب العدالة والتنمية وشريكه الحاكم حزب الحركة القومية ينتهجان نهج الاتحاد والترقي في المجازر والقتل الجماعي. هذه الذهنية التي لا ترى سوى العنصر التركي، وتهدف التطهير العرقي كحل نهائي للقضاء على التنوع والتعددية الاثنية في مناطق السلطة العثمانية. والخطاب الرسمي التركي يعلن صراحة عن نوايا التوسع عبر القتل والابادة وتوسيع حملات الحرب والبطش في مناطق الكرد والعرب، ضمن مخيال "العثمانية الجديدة" الذي حولوه إلى استراتيجية ثابتة للدولة" (1).

وفي الاعتماد على "التحولات" الثلاثة الآنفة، وبعد السيطرة على وسائل الإعلام وتكميم أفواه المعارضين وملاحقتهم داخل وخارج البلاد، عمّد أردوغان إلى تحويل الدولة التركية إلى دولة مارقة عسكرتارية تعتمد على البلطجة والإرهاب وانتهاك القانون الدولي والمعاهدات الدولية عبر اللجوء إلى التوسع والاحتلال، لتصدير الازمتين السياسية والاقتصادية إلى الخارج، وايهام المواطنين بأن "الدولة مهددة"، وان عليهم ان يصمتوا ويتحملوا الفقر والفساد والغلاء الكبير، من أجل  "معركة أردوغان المصيرية في حماية تركيا"!.

ومن هنا فقد جاء التدخل التركي الاستعماري في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وبدا ذلك واضحا وفجا بعيد "الربيع العربي"، وتفكك العديد من الدول، حيث "اتّبعت تركيا كل الوسائل الممكنة لتمكين القوى المؤيدة لها للوصول إلى السلطة. فحيث أمكن لها مساعدتهم سلميّاً كان ذلك، كما في مصر وتونس. وحيث تعذّرت السلمية التجأت تركيا إلى تنظيمات مسلحة متطرفة في العقيدة مثل “داعش” و”النصرة” ومسلّحِي الأويغور والشيشان. وعملت الحكومة التركية على محاولات شقّ صفوف قوات النظام السوري وكذلك الأمر في العراق وفي ليبيا. ثمّ اتبعت سياسات التدخل المباشر كما في العراق في معسكر بعشيقة وغيره، أو في سوريا عبر احتلال مثلث جرابلس- أعزاز – الباب في عملية درع الفرات، ثم احتلال عفرين فاحتلال تل أبيض حتّى رأس العين في عمليّة نبع السلام، إضافة إلى حماية التنظيمات المسلّحة الموالية لها في إدلب أطول وقت ممكن" (2).

التوسع الاحتلالي التركي في المنطقة لا يقوم فقط على الجانب الايديولوجي في تنفيذ مخططات " العثمانية الجديدة"، بل هو نزعة استعمارية ذات ابعاد اقتصادية في المقام الأول. الدولة التركية، بقيادة أردوغان وحزبه، تخطط لضم أراضي دول مستقلة عضو في الأمم المتحدة، وهي تتدخل في كل منطقة تشهد حروبا اهلية وانقسامات وصراعات بين الميليشيات المختلفة. أي في المنطقة المضطربة الرخوة، من التي تجد أنقرة القدرة في نفسها على التدخل دون مواجهة قوة قاردة على صدها ومقاومتها. ومن هنا فان "التدخل التركي في ليبيا لا يمكن حصره في الدافع الايديولوجي، لكن تحركه القناعات والاطماع الاستراتيجية والاقتصادية. أنقرة تريد الامساك بمجموعة من الاوراق، والتخلص من العزلة في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث الصراع على تقاسم الثروة الغازية. فتركيا تظن في الملف الليبي مغامرة أسهل من الحرب في سوريا، حيث انها فقدت سوريا، ولم تخرج منها سوى بالعلاقات التي اقامتها مع روسيا. وكذلك تريد تركيا الحصول على ثقل ونفوذ كبير في مناطق البحر الأبيض المتوسط، والحصول على حصص معقولة من ثروات هذه المنطقة، وهذا ما يعني حدوث تطورات وتحديات جديدة في علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي" (3).

أما بالنسبة للموقف الأوروبي والدولي حيال سياسة الحرب والتوسع ودعم الارهاب الدولي التي تنتهجها الحكومة التركية، فهو موقف باهت وضعيف، بل ومشجع ومتواطئ، اذما نظرنا في الدعم الاقتصادي الاوروبي المستمر لأردوغان ونظامه المارق الخارج عن القانون. ويتوافق حلف شمال الاطلسي مع الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا، في الدعم المباشر لسياسة الحرب التركية، وتأهيل أردوغان والتغطية على جرائمه، ورفد الدولة التركية بمساعدات اقتصادية هائلة، وتفضيلها كشريك تجاري، بغض النظر عن الحروب التي تشنها في المنطقة، ودعمها للإرهاب الاسلامي والجهاد العالمي، واحتلال مناطق من دولة أخرى ذات سيادة، وتهجير الملايين من المواطنين، ومن هنا فإن "الدولة التركية تستفيد من المساعدات المالية واللوجستية والعسكرية التي يقدمها حلف شمال الاطلسي في بناء وتسليح قوة عسكرية تضم مئات الآلاف من المرتزقة الذين تحاول توطينهم في المناطق الحدودية بين كردستان الشمالية وروج آفا. الاتحاد الاوروبي منح تركيا 600 مليون يورو، من أجمالي مبلغ المساعدة المقررة لحكومة أردوغان وهو 3,5 مليار دولار، وهي اموال ستذهب إلى خزينة الحرب التركية، وسترفد حملات الاحتلال والقتل والتهجير التي تقوم بها تركيا ومرتزقتها ضد الشعب الكردي. وترامب موافق على سياسة تركيا الاستعمارية في المنطقة، فهو الذي أمر بسحب القوات الاميركية تمهيدا للهجوم التركي الاخير، ولم يقرر إعادتها الا حينما رأى التقدم الروسي ـ السوري نحو منابع النفط. فقرر الاحتفاظ بآبار النفط عبر ارسال مجموعة من القوات الاميركية إلى هناك، لمنع روسيا والنظام السوري من الاستحواذ عليها. أما تنظيم "داعش" فلا  خوف منه، اميركا، فقسم قضت عليه قوات سوريا الديمقراطية، وقسم آخر واقع تحت السيطرة التركية، حيث سيتم استخدامه في أغراض أخرى، لن يكون من بينها تهديد المصالح الاميركية وحياة جنود الجيش الاميركي" (4).

وتعتمد تركيا في تمرير مخططها الاستعماري الرامي لاحتلال وضم دول المنطقة، على تشكيلة واسعة من منظمات الاسلام الجهادي المسلحة، وتنظيم الاخوان المسلمين العالمي، وبعض الانظمة والحكومات غير الشرعية، من المنخرطة في الحرب الاهلية مثل حكومة فايز السراج في ليبيا وحكومة الصومال، ونظام البشير الذي سقط مؤخرا في السودان. طبعا بالاضافة إلى النظام القطري المعزول عربيا، وهو نظام معروف عنه بتمويل الاسلام السياسي والتحالف مع الجماعات الجهادية التي ارتكبت المجازر في العديد من الدول العربية، وخاصة ليبيا وسوريا واليمن والعراق. وتحتفظ قطر بقاعدة عسكرية تركية، وتقدم نفسها كخزينة مفتوحة يغرف منها نظام أردوغان ما يريد من المال لتمويل تسليح المرتزقة والقيام بحملات الحرب والاحتلال. ويكاد دعم الارهاب الاسلامي والمراهنة على الاخوان المسلمين، وكره الاستقرار والرغبة في نشر الفوضى والمواجهات الاهلية تحت يافطة "الربيع العربي"، ومعاداة مصر والسعودية والامارات والكرد، ان يكون المشترك الوحيد بين النظامين القطري والتركي (5).

نزعة الحرب والتوسع التركية، والتي يحشد لها أردوغان الآن كل امكانات تركيا، متسلحا بالدعمين السياسي والاقتصادي الغربي، سوف تؤدي إلى فوضى عارمة في المستقبل القريب. فدعم أردوغان وحزبه للجهاديين، ونشر التطرف في داخل وخارج العالم الاسلامي، والاحتلال المباشر للعديد من الدول في المنطقة، وتهديد سلامة واستقلال دول أخرى، سوف يؤدي إلى نتائج كارثية ستطال ضفتي البحر الابيض المتوسط، ولن تكون هناك أي دولة بمنأى عن تداعياتها، حتى تلك التي تساعد، صراحة أو ضمنا، نزعة الحرب والفاشية الأردوغانية، وتمدها بالمال والسلاح والتغطية السياسية. ولنا في التاريخ القريب عبرة، عندما تم تجاهل خطر أدولف هتلر، الذي وجد في بلاده ألمانيا فائضا من المال والرجال، فحولها إلى آلة عسكرية، وبات يبحث عن "ايديولوجيات" و"نظريات" من أجل تسويغ العدوان والحرب الاستعمارية والضم، مستفيدا من صمت وتواطئ دول العالم، التي تجاهلت الخطر، وظنت بأنها في منأى عن الاحتلال والقتل النازي، ومن هنا فقد تمكن " أدولف هتلر في سنوات قليلة من أن يحول ألمانيا إلى مصنع أسطوري للسلاح الرهيب، وعبأ ملايين الشباب الألمان في آلة حربية مندفعة في كل اتجاه، جعل السلاح أداته السياسة التي تكتب على الأرض بالدم حدود حلمه في المجال الحيوي لألمانيا. عندما كان تشمبرلين السياسي البريطاني المحافظ يعتقد أن العقل السياسي قادر على صناعة منطق التهدئة والسلام، كان هتلر يعتقد أن السلاح هو الذي يكتب المواثيق ويرسم خرائط الدول، (..) وحينما كان ستالين يراقب احتلال ألمانيا لفرنسا ويترقب اليوم الذي سيعبر الجيش الألماني البحر نحو الجزيرة البريطانية، يفاجأ بالاكتساح الألماني للإمبراطورية السوفياتية. اليابانيون كانت لهم السيادة في آسيا، ويسيطرون عسكرياً على قدراتها ولم تتخلق قوة منافسة لها على أي مستوى، غلبت سياسة السلاح واندفعت في مواجهات طالت الولايات المتحدة الأميركية، ما اضطرها إلى دخول معركة شاملة ضد اليابان" (6).

* قسم الرصد والتحليل في المركز الكردي للدراسات.

اشـــــــارات:

1- Murat Karayilan: Armanca stratejîk a Enqereyê bêstatuhiştina Kurdan e. Malpera (Anfkurd.com), di 16.02.2020 an de.

2ـ محمد نور الدين: "العثمانية الجديدة"...وهم أم حقيقة؟. مجلة ( الشرق الأوسط الديمقراطي)، وهي مجلة فصلية فكرية تحليلية تعني بشؤون الشرق الأوسط. قامشلو. الادارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا. العدد 47.

3- Günter Seufert: Die Türkei verlagert den Schwerpunkt ihrer Außenpolitik: Von Syrien ins östliche Mittelmeer und nach Libyen. Stiftung Wissenschaft und Politik, Berlin, 06.20.2020.

4- Rêşad Sorgul: Zirhêzên tonge. Yeni Özgür Politika, di 05.11.2019 an de.

5- Tariq Hemo: Katar-AKP kader ortaklığı. Yeni Özgür Politika, di 06.06.2019 an de.

6ـ عبد الرحمن شلقم: عندما يكون السلاح سياسة. صحيفة ( الشرق الأوسط). 25.01.2020.