الحرب الأمريكية الإيرانية المؤجلة؟

الأربعاء 15-01-2020 | AM 11:05 صورة أرشيفية

د.آزاد أحمد علي 

تنفس الكثيرين الصعداء بعد ما آلت إليه مسار الأحداث بين إيران وأمريكا... كما خاب ظن من كان يفترض أن الحرب بينهما قاب قوسين أو أدنى. وثمة من يصر على حتمية الحرب بينهما لتضارب مشروعيهما في الشرق الأوسط، في حين تفترض بعضالآراء العلمية بأن صفحة الحروب الكبرى قد تم طيها على ساحة المسرح العالمي. 

بين الرؤيا الحتمية لقيام الحرب والأخرى التي تستبعدها مسافة ستظهرها مجريات وتفاصيل الأحداث القادمة. لكن المؤكد أن مرحلة جديدة من العلاقات الشائكة أصلا قد بدأت بمستوى أعلى من التشابك والتعقيد بين الطرفين.

فقد كان القصف الأمريكي لقواعد الحشد الشعبي (التابعة لحزب الله العراقي بشكل خاص) نهاية عام 2019 ذات علاقة وثيقة بالأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وكذلك بإنسداد آفاق الحل والخروج من المأزق المركب للمسألة العراقية. ولفهم ما حدث لا يكفي أن ننطلق من أحداث الأشهر الماضية فقط، بل لا بد لتوضيح المشهد وقراءته بدقة أن نستعرض سلسلة الأحداث المترابطة في السنوات والعقود الماضية، كما من الضروري أن نعيد للأذهان التفوق الأمريكي أيضا في صناعة (الأعداء) والاحتفاظ بهم لفترات ضرورية. فلا يمكن لأي مطلع أن لا يقتنع بأن السياسات الأمريكية هي المسؤول الأول لما آلات إليه الأوضاع في المنطقة عموما والعراق على وجهه الخصوص. وما الحدث المفصلي ليلة 2/1/2020 في مطار بغداد إلا حلقة جديدة في مسلسل الصناعة الأمريكية للاضطراب من جهة وللأعداء من جهة أخرى. صحيح أن المجموعة التي قادت أمريكا نحو حرب أفغانستان والعراق قبل عقدين من الزمن لم تعد فاعلة في مراكز القرار الأمريكي، والمقصود بها(مشروع القرن الأمريكي الجديد PNAC، بقيادة أبرز ثلاثي التنظير للحرب والسيطرة الأمريكية على العالم: ديك شيني، دونالد رمسفليد، بول ولفويتس)، لكن مجمل الأوضاع الأمريكية توحي وكأن فكر المجموعة مازال حاضرا، فلا شك أن تأثير هذا التيار الفكري والسياسي مازال فاعلا داخل كواليس الحزب الجمهوري وإن كان التيار المؤيد لسياسات ترامب الاقتصادوية والبراغماتية السريعة التحول هو السائد حاليا. فكل المؤشرات توحي بتأييد حالة الهجوم على إيران وان لم يكن هذا التيار الترامبوي – إن جاز التعبير –غير راغب في الحرب، ولكنه على ما يبدو فالتيار غير حكيم لدرجةالقدرة على تجنبه. فقد كان تأييد ابرز قادة الجمهوريين ليندسي غراهام صريحا ومباشرا للقرار الذي اتخذه ترامب لضرب موكب سليماني – المهندس، هذا القرار الخطير والحساس لدرجة عدم التصديق على أنه قد صدر بالفعل من ترامب. فمن المفترض أن ترامب المسترخي في عطلته بإحدى المنتجعات أن لا يصدر عنه هكذا قرار، فمازالت الشكوك تراود حقيقة أن يكون القرار قد اتخذ بهذه العجالة قبل فترة وجيزة من الضربة. وعلى الرغم من استثمار الحدث لصالح ترامب شخصيا، إلا أن بعض المعطيات كانت تميلفي اتجاه ترجيح العوامل المساعدة على اشتعال الحرب، أو تدفع بالتصعيد إلى أقصى الدرجات، مثل الالتفاف على الديمقراطيين، وإظهار قوة الجمهوريين واتحادهم خلف رئاسة ترامب. ارباك نانسي بيلوسي في السير قدما بمشروع التحقيق مع ترامب. هذا وكانللتوافق داخل إدارة ترامب بين البنتاغون و(CIA) والخارجية على توجيه ضربة قوية لنظام الحكم في إيران مؤشرا على عدم الخوف من الخوض في فوضى الحرب.  

لذلك كان مقتل قائد فيلق القدس محاولة رمزية لبدء سياسة أمريكية جديدة تجاه إيران ومحاولة جادة لإنهاء دورها ونفوذها الخارجي. وهي دعوة صريحة لضرورة عودة إيران الى بيت الطاعة الأمريكي –الإسرائيلي، كما وهو في الوقت عينه سعي للإخلال بوجود الثنائية القطبية المذهبية والسياسية على ساحة العالم الإسلامي التي تساهم في التأسيس لاضطرابات مستقبلية طويلة الأمد. لذلك تبدو دلالة الحدث عميقة وغير لحظية، فهي تنهي تماما سياسة العصاوالجزرة السياسية والاقتصادية الأمريكية ضد إيران، وانطلاقة للعمل العسكري المباشر. 

في الجانب الآخر إن مقتل أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي في العراق يوحي بأن أمريكا قد فشلت في إستراتيجيةالاحتواء والسيطرة على العراق، كما هي استباحة للدم العراقي،لهذه الأسباب فعلاقة أمريكا مع الحكومة العراقية ونخبها السياسية ستضطرب كثيرا وستدخل مرحلة جديدة، تتجاوز قتل قادة وعناصر الحشد الشعبي، بل تضع كل العلاقة الأمريكية مع النخب الشيعية الحاكمة وخاصة حزب الدعوة والتيار الصدري أدراج الرياح والعواصف القادمة، وربما تنتهي العلاقة الأمريكية بعد إفراغالسفارة في بغداد بالانقلابات العسكرية والاحتلال المباشر لبعض مناطق العراق. وهذا ما أدى بشكل مباشر لتصويت مجلس النواب العراقي على خروج القوات الأمريكية (الكتلة الشيعية بشكل رئيسي)، ومازالت ردود فعل القرار تتفاعل محليا ودوليا.

عملية تدمير موكب سليماني من الناحية التقنية ترسل أيضا رسائل ذات مغزى، فالرواية الأمريكية تقول بأنه كان ذاهبا للعراق لتنظيمعملية ضرب المصالح والعناصر الأمريكية، في حين الرواية الحكومية الإيرانية تردد بأنه كان ذاهبا لتهدئة الأوضاع وتتهم أمريكا باغتياله رغبة في التصعيد. أما المؤكد فهو أنه كان مراقبا وفي متناول اليد،لأنه من الناحية التقنية الصرفة لا يمكن تنفيذ العملية فيما لو تم معرفة وجود سليماني في مطار بغداد، فالزمن اللازم للتحضير للعملية وأخذ موافقة ترامب، والترتيبات العسكرية تتطلب عدة ساعات على أقل تقدير. معنى ذلك أنه تم رصد حركة سليماني من مطار دمشق، أو حتى قبل ذلك بوقت طويل، ما يوحي بفعالية دور الاستطلاع والحركة الجوية، وبالتالي تثير الشكوك حول دور روسيلأنها المهيمنة على أجواء دمشق، وربما كانت إسرائيل على معرفة بحركة طائرة سليماني على أقل تقدير، فضلا عن التسريبات التي لمحت لدور قطري شبه مؤكد في العملية لوجستيا. ومن جهة تكنولوجية صرفة، فإن تدمير موكب سليماني بواسطة طائرة مسيرة (درون)، هي رسالة من نوع آخر لإيران وحلفائها تفصح عن أن التكنولوجيا العسكرية الأمريكية قد وصلت الى هذه الدقة بحيث لم تكلفها حتى استخدام عنصر بشري واحد في تنفيذ العملية بشكل مباشر، وإنما كان الدور الأساسي لتقنية المعلومات وتكنولوجيا توجيه الأسلحة الحديثة الفتاكة، بالتالي لدى أمريكا ما يكفي من تقنيات الحرب لشل حركة هذه الدولة أو تلك.

باختصار لقد اتخذت إدارة ترامب الموحدة في رأيها لأول مرة مع البنتاغون والاستخبارات المركزية قرار الحرب على إيران، لكن اتساع وشدة هذه الحرب ترابطت جدليا مع الرد الإيراني المنتظر، ليصبح قرار الحرب بصيغة ما قرارا إيرانيا صرفا، مرهونا بطريقة الرد وديمومته. ولقد جاء الرد الإيراني سريعا، مفاجئا لتوقعات بعض المراقبين باستعراضيته التي أثارت حولها الكثير من الشكوك والتفسيرات، فضلا عن الأقاويل على مختلف الصعد. لكن ما هو مؤكد أن طريقة الرد شكلت رسالة واضحة، بل طلب صريح لتأجيل الحرب إن لم يكن وأدها، مع بقاء احتمال الصراع على العرق مفتوحا.

——

*باحث أكاديمي سوري