مركز أبحاث السياسات العالمية: في لبنان.. ليست هناك سيناريوهات جيدة بالنسبة لـ"حزب الله"

الأحد 22-12-2019 | PM 05:54 صورة أرشيفية

فيصل عيتاني | مركز أبحاث السياسة العالمية

 

تشكلُ الاحتجاجاتُ المستمرةُ ضدَّ النظام في لبنان مشكلةً متزايدة لنخبها السياسية. ويعد حزب الله أحدُ أعمدة المؤسسة وأقوى المدافعين عن الوضع السياسي اللبناني. وهذا يعكسُ مدى أهمية المؤسسات الرسمية للبلاد بالنسبة لحزب الله، حتى مع زيادة تعقيد بيئتها الجغرافية السياسية وتعرّض شرعيتها الإقليمية للضغوط. وفي حين أن حزبَ الله ليس هدفَ الاحتجاجات، فإن كلَّ السيناريوهات الواقعية لحركة الاحتجاج في لبنان- وسطالمشاكل الاقتصادية العميقة- ستتركُ الحزبَ في وضعٍ أسوأ.

لبنانُ ليس غريباً عن الاضطرابات المدنية، لكن الموجةَ الحالية متميزةٌ في اتّساعها الجغرافي، وشخصيتها عبر الطائفية، واستهدافها للنخبة السياسية متعددة الطوائف وشركائهاالتجاريين (مجموعةٌ من المطورين المفضلين، والشركات المالية، والتجار) ككل. لقد حكمت هذه الشراكةُ لبنانَ منذ الاستقلال، لكن حزبَ الله هو أحدثُ مداخله. يتطلبُ فهمُ تأثير الأزمةالحالية على الحزب تتبعُ تطوره لفترة قصيرة في السياسة اللبنانية.

حزب الله في النظام السياسي اللبناني

في تأسيسها في الثمانينيات، اعتنقت أيديولوجيةُ حزب الله مُثُلَ الثورة الإسلامية في إيران -مزيج من الإسلام الشيعي، والاشتراكية، والشعبية، ومعاداة الإمبريالية- مع المظالم الضيقة للشيعة المهمشين في لبنان.

أصبح حزبُ الله معروفاً بحربه غير المتكافئة الناجحة ضدّ إسرائيل في لبنان وهجماته الإرهابية في الثمانينيات والتسعينيات. ومع ذلك، فهو يدينُ بالكثير من شرعيته المحلية لدعمه للعدالة الاجتماعية والاقتصادية ورفضه للفساد، الأمر الذي أثبت دوره على أنه "صوت المضطهدين". كما أنشأ حزبُ الله سياسةً شيعية جديدة وحازمة وبنية تحتية قوية للرعاية الاجتماعية، لكنه حدَّ من مشاركته في السياسة الرسمية في لبنان. على الرغم من أنه قدمَ في نهاية المطاف مرشحين في الانتخابات البرلمانية في عام 1992 وفاز بعشرات المقاعد (منأصل 128)، إلا أنه تجنبت دوراً في مجلس الوزراء- جزئياً لأنَّ الاحتلال السوري للبنان منحه بالفعل غطاءاً سياسياً، مماسمح له بالتركيز على محاربة إسرائيل.

كانت ثمانينياتُ وتسعينيات القرن العشرين حقبةَ حزب الله منالنقاء الأيديولوجي، حيث كان بعيداً عن السياسة الفاسدة والضيقة في لبنان والتنافس الطائفي. انتهى هذا العصرُ بمقتل رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005. اتهمت الحكوماتُ اللبنانية والغربية النظامَ السوري وحزب الله بالجريمة، وانسحبت سوريا من لبنان. وبدون وجود النظام السوري، ومع غضبٍ شعبي كبير موجّه إلى حلفائه اللبنانيين، وجد حزبُ الله نفسه معزولًا، وأسلحته هدفاً لوزارةٍ معادية يسيطر عليها منافسوه السنة.

 في أيار (مايو) 2008، ردّ حزبُ الله بالاستيلاء على أراضي خصومه السنة في بيروت، وإنهاء محاولات الأخير لنزع سلاحه. لقد استخدمَ نصره العسكري لتأمين حقّ النقض في مجلسالوزراء اللبناني، حيث سعى إلى عرقلة سياسات مناهضة حزب الله. حزب الله ملتزمٌ التزاماً راسخا بالنظام السياسي اللبناني، وفي الوقت الحالي آمن.

 ومع ذلك، مثلما تحسّن وضعُ حزب الله المحلي، بدأت البيئةُ الاستراتيجية الإقليمية في التدهور بدءاً من الصراع السوري في عام 2011. وكان النظام السوري مصدراً مهماً للإمدادات وعمقاً استراتيجياً لحزب الله في صراعه المستمر مع إسرائيل. وكان أيضا أهمَّ حليفٍ لإيران.

من خلال الدخول في الحرب من جانب النظام، عززَ حزبُ الله دوره كقوةٍ استكشافية تخوض حرباً أهلية طائفية بالتزامن مع -إن لم يكن بناءً على أوامر- من إيران. حطمت هذه الحربُالبشعة سمعةَ حزب الله بين السنة في المنطقة كقوةٍ تتجاوزُ الطائفية وتحمي السكانَ وتركزُ على قتال إسرائيل. لقد استغلت إسرائيلُ تعرضَ حزب الله في سوريا من خلال شنّ غاراتٍ جوية مستمرة.

سوريا ليست المصدرَ الوحيد لمشاكل حزب الله. في الآونة الأخيرة، يبدو أن حملة "الضغط الأقصى" التي قامت بهاالإدارة الأمريكية أضعفت إيرانَ وحزبَ الله مالياً. وقد أثر ذلك على الدائرة الشيعية للحزب، التي تعاني بالفعل من مشاكل لبنان الاقتصادية (كما يتضح من الاحتجاجات في مناطق حزب الله الأساسية).

في الوقت نفسه، اندلعت الاحتجاجاتُ الجماهيرية في العراق، مستهدفة نظاماً سياسياً استثمرته إيرانُ كثيراً. وهذا يضعضغطًا على طهرانَ، التي يجب أن توازنَ بين دعم حزب الله والتحديات المنتشرة المتعلقة بالعراق وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

حزبُ الله أكثرُ قوةً من أي وقت مضى، ولكنه أيضاً أكثر عرضة للخطر. أولويته هي دائماً تأمين موقعه في لبنان. بدون ذلك، لا يمكن مواجهة التحديات الأخرى.

من وجهة نظر حزب الله، فإن دمجَ نفسه داخل المؤسسات اللبنانية عبرَ التسويات مع النخب الطائفية هو استراتيجيته الأكثرُ أماناً. هذا يسمحُ للحزب بالتحكم في السياسة الأمنية من خلال وضع جدول الأعمال الوزاري وممارسة النفوذ على القوات المسلحة.

تتيحُ هذه الاستراتيجية أيضا الوصولَ إلى شبكات المحسوبية التي يحتاج إليه لدعم الدعم الشيعي في الأوقات الاقتصادية المضطربة (اقتصاد القطاع الخاص هو أحد الأشياء القليلة فيلبنان التي كافح حزب الله للسيطرة عليها). كما أن مشاركة حزب الله في حكومةٍ مع خصومه السنة تخففُ من التوترات بينالسنة والشيعة، في حين أن التحالفَ مع وزراءَ من التيار الوطني الحر المسيحي (حليفها اللبناني الرئيسي) يسمح له بتقديم نفسه كحزبٍ متعدد الطوائف بدلاً من حزبٍ طائفي.

تشرحُ هذه المزايا المهمة عداءَ حزب الله الفوري للثورة المناهضة للنظام في الأسابيع الأخيرة. رفضَ زعيمُ الحركة الشيعية اللبنانية حسن نصر الله بسرعة مطالبَ باستقالة الحكومة، وهاجم أنصارُ حزب الله مراراً المتظاهرين المناهضين للحكومة. انتقد حزبُ الله استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري ورحّب بالجهود اللاحقة لتعيين رئيس وزراء على الفور. يفضل حزبُ الله أن يتمتعَ رئيسُ الوزراء (الذي يجب أن يكون سنيًا) بالدعم السني ورفضَ ترشيحَ مرشحه خشية أن يثيرَ التوترات الطائفية.

حزب الله والاحتجاجات

 لا يمكن لحزب الله أن يتحملَ حركةً واسعة ضد النظام في لبنان. من المحتمل أن يدركَ خطورةَ مشاكل لبنان والحاجة إلى الإصلاح وربما يتعاطف مع المشاعر الشعبية العامة.

يحتفظ بعضُ أعضاء حزب الله بالقيم الشعوبية المناهضة للمؤسسة التي تم شحذهم فيها. ومع ذلك، لن يقودَ أيٌّ من هذا حزبَ الله إلى اعتناق التغيير الجذري.

للحفاظ على الجبهة الداخلية، فإن الأوليغارشية الطائفية الفاسدة التي تحترم توازنَ القوى بين الطوائف التي تفضل حزب الله، تحتاج إلى الاستمرار في السيطرة على السياسة اللبنانية. كما أنه يحسب أن انهيارَ الحكومة سوف يعجلُالانهيارَ الاقتصادي، والذي من شأنه أن يلحق أضراراً بالغة بمكوناتها الشيعية.

على عكس إصرار صناع السياسة، فإن الاحتجاجاتِ اللبنانية لا تتعلقُ بحزب الله أو سلاحه أو حروبه أو قوته السياسية. لكن هذا لا يعني أن أهدافَ الإصلاح الجذري لن تؤثر تأثيراً عميقاً على حزب الله.

من الممكن تماماً أن تؤدي الاحتجاجاتُ إلى حدوث انهيارٍ اقتصادي وسياسي منهجي، من شأنه أن يتسببَ في خسارة حزب الله لكل ما قام به النظامُ اللبناني واستفاد منه بشقّ الأنفس.

هناك حدثٌ غير مرجّح للغاية، أن تحققَ الحركة إصلاحاتٍ عميقة، بما في ذلك دولة غير طائفية تحكمها سيادة القانون وتكون مسؤولة أمام الجمهور. لا يمكن لحزب الله أن ينجو منهذا التحوّل دون معارضة وإكراه مفتوحين من شأنه أن يتركاه مرهقاً ومعزولاً. يمكن لحزب الله التعايش مع عدم انهيار النظام أو إصلاح حقيقي.

ماذا بعد؟

يشملُ السيناريو المثالي لحزب الله تشكيلَ حكومةٍ جديدة برئاسة زعيم سنيّ شرعي، بما في ذلك حلفاء حزب الله المسيحيين. سيتولى مجلسُ الوزراء إصلاحاتِ الاقتصاد الكلي المستهدفة التي تمنع انهيارَ العملة والأزمة المصرفية والكارثة المالية.

يتمّ تهدئة المتظاهرين ويعود الإحساسُ بالحياة الطبيعية إلى البلاد. المانحون الدوليون يمدون باقاتِ الائتمان والمساعدة. تتحسن أساسياتُ الاقتصاد الكلي وسط تدابير تقشفية محدودة، مدعومة بالنوايا الحسنة بين عناصر حزب الله الشيعية. لا توجد إصلاحات سياسية ذات مغزى.

 حتى لو حدث هذا السيناريو- وهذا أبعد ما يكون عن اليقين- فمن غير المرجح أن يتصدى لمحركات الاحتجاجات في لبنان.

نقاطُ الضعف الاقتصادية في البلاد معقدةٌ للغاية بحيث لايمكن إدراجها هنا، لكن يمكن تتبعها إلى حدّ كبير لاقتصاد سياسي مختلٌ وظيفته تهيمن عليه طبقةٌ سياسية استخراجية تتعامل مع التوترات الطائفية للحدّ من الوصول إلى الأوليغارشية.

تمكين هذا هو الفسادُ النظامي الذي تفاقمَ بسبب هيمنة القطاع المالي، الذي تسيطر عليه الأسرُ ذات النفوذ، ويديم النموذج المالي غير المستدام.

بعبارة أخرى، مشاكلُ لبنانَ الاقتصادية هي بالفعل مشاكل سياسية. لا يمكن حلها من خلال إصلاحات مالية أو نقدية ضيقة- والنخب السياسية غير مفهومة على الإطلاق لإصلاحنفسها خارج السلطة.

من المحتمل أن يكون هناك القليلُ من النوايا الحسنة بين السكان لتحمّل آلام التغير الاقتصادي الخطير في ظلّ نظامٍ لا يحظى بشعبيه. وبالتالي، حتى سيناريو حزب الله المثالي لنيجلبَ سوى الإغاثة المؤقتة.

تبحثُ السياسة الأمريكية الحالية باستمرارٍ عن نقاط ضغطٍجديدة على إيرانَ وأكبر مجموعة وكيل لها في لبنان.  ومع ذلك،السياسة المحلية العضوية تضرّ بالفعل حزبَ الله.

الولاياتُ المتحدة لديها ترفٌ من سياسة بسيطة منخفضةالمخاطر: الدعمُ الخطابي للمتظاهرين في حين الضغط علىالقوات المسلحة اللبنانية لحمايتهم. وهذا له فائدة ثانوية في بناءالنوايا الحسنة بين دائرة جديدة وحماية أرواح المدنيين.

من الصعب تخيّل سيناريو لا يترك حزبَ الله أضعف أو أكثر عرضة للخطر. في الواقع، تماماً كما أنهى مقتلُ الحريري " طهارة" حزب الله في عام 2005، فإنه ليس الجيش الإسرائيلي ولا التمرّدالسوري، بل إخفاقات النظام التي عمل بجد من أجل التعايشمعها، والتي أنهت حقبةً أخرى للحزب.——

للاطلاع على النص الأصلي باللغة الإنجليزية..اضغط هنا

ترجمة: أمنية زهران

أحدث الدراسات