بعد خيانة "ترامب" للأكراد... من قد يتحالف مع "واشنطن"مستقبلاً؟

الإثنين 09-12-2019 | PM 03:55 مدرّعة أمريكيّة في شمال سوريا

ريتشارد لاكمان

قررَ الرئيسُ ترامب التخلّي عن التحالف الفعلي لأمريكا مع قوات سوريا الديموقراطية، وهي جماعةٌ مسلحة تتكوّن بشكل رئيسي من الأكراد مرتبطةٌ بحزب العمال الكردستاني؛ الذي قاتلَ وتظاهرَ من أجل مزيدٍ من الحكم الذاتي الكردي في تركيا.

كانت قواتُ سوريا الديموقراطية هي القوةُ الرئيسيةُ للسياسة الأمريكية في سوريا. لعبَ هؤلاءُ المقاتلون الأكرادُ والحلفاءُ الدورَ الرئيسي في تدمير سيطرة داعش على جزءٍ كبير من شمال سوريا وأجزاءٍ من غرب العراق. مات أكثرُ من أحدَ عشرَ ألفاً من مقاتلي قوات سوريا الديموقراطية في تلك الحرب، مقارنة بثمانيةِ جنودٍ أمريكيين. كانت المساهمةُ الرئيسية للولايات المتحدة هي قصفُ أهدافِ داعشَ وتوفير المعلومات الإلكترونية لقوات سوريا الديموقراطية، والتي بدورها قدمت معلوماتٍ ميدانيةً للأمريكيين. كان التحالفُ بين الولايات المتحدة وقواتِ سوريا الديمقراطية فعالاً للغاية، حيث قضى على داعش كقوةٍ عسكرية في سوريا والعراق.

 قدمت الولاياتُ المتحدة أيضاً الدعمَ الدبلوماسي لقوات سوريا الديمقراطية. منعَ وجودُ بضعَ مئات من القوات الأمريكية- في المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا التي يسيطر عليها الأكرادُ- القواتِ التركية من التدخل، وسمحت لقوات سوريا الديمقراطية بإنشاء والحفاظ على روجافا، الإدارة المستقلة لشمال وشرق سوريا .

تعدّ روجافا نقطةً مضيئةً في منطقةٍ تحكمها بشكلٍ أساسي أنظمةٌ فاسدة وساخرة. في حين أنّ الحربَ المستمرة جعلت من المستحيل إجراء انتخاباتٍ، فإنّ حكومةَ روجافا تقوم بالتشاور المستمرّ مع الجماعات المدنية والمواطنين العاديين، ولديها دستورٌ يضمن الحرياتِ المدنيةَ، بما في ذلك حريةَ الدين. روجافا هي كذلك أكثرُ المناطق تساوياً بين الجنسين في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل.

 أخبرَ ترامب، في مكالمة هاتفية في 6 أكتوبر، الرئيسَ التركي رجب طيب أردوغان أنّ الولاياتِ المتحدة ستسحبُ قواتها على الفور من سوريا. كان هذا التصريحُ بمثابة تقدّم فعلي لتركيا لغزو المنطقة الحدودية الكردية في سوريا؛ وهو ما فعله أردوغانُ بعد ثلاثة أيام. الآثارُ الكاملة لقرار ترامب المتهور- لإرضاء أردوغان بخيانة حلفاء أمريكا الأكراد- لا تزالُ تتكشّفُ. انطلاقاً من الحصيلة المباشرة للقتلى في الأيام الأولى بعد الغزو، يمكننا أن نتوقعَ موتَ مئات المقاتلين الأكراد وآلاف المدنيين.

تحتجزُ قواتُ سوريا الديمقراطية آلافَ المقاتلين من داعشَ وزوجات وأطفال هؤلاء المقاتلين المتطرفين. بعضُ هؤلاء المقاتلين فرّوا بالفعل من السجون، وسيكون بمقدور المزيد منهم تحريرَ أنفسهم لأنّ قواتِ سوريا الديمقراطية قد ضعفت بسبب الغزو التركي. هؤلاء المقاتلون يهاجمون بالفعل أهدافاً في سوريا والعراق، ويمكن للمقاتلين الأجانب العودةُ إلى ديارهم إلى أوروبا أو الولايات المتحدة وشنّ هجماتٍ هناك. أثبتت البرامجُ الراميةُ إلى إزالة داعش السابق أو غيره من المقاتلين الإسلاميين المتطرفين عدمَ فعاليتها.

 ومع إضعاف قوات سوريا الديمقراطية، تقلّصت أراضي روجافا، مما زادَ من التهديدات لوجود هذا النموذجِ المأمول لحكومةٍ ديمقراطية لا يلطخها التطرفُ الديني واستغلال النساء، ويعرّض ذلك للخطر. بالطبع، بالنسبة للإسلاميين الاستبداديين مثل أردوغان، فإن أنموذجَ روجافا مثالٌ خطير، يُظهر طريقةً لتقديم حكمٍ ذاتي للأكراد داخل تركيا. تعتبرُ روجافا أيضاً توبيخاً لجميع المتطرفين والديكتاتوريين الدينيين الآخرين في الشرق الأوسط، ورؤيةً طوباوية تقريباً للنساء في جميع أنحاء المنطقة، بل وفي معظم أنحاء العالم حيث لا توجد حقوقٌ انسانية وتغضّ الحكوماتُ الطرفَ عن اغتصابها وجرائم الشرف. لا عجبَ في ذلك، أراد أردوغان  ضوءاً أخضرَ لغزو روجافا، و سمحَ ترامب، وهو نفسه سلطوي ومغتصب، لأردوغان بالمضي قدماً.

 ستجعلُ خيانةُ ترامب طويلةُ الأجل للأكراد، من الصعب على الولايات المتحدة تجنيدَ حلفاء في الحروب المستقبلية.

تعتمدُ الولاياتُ المتحدة، مثلها مثل البلدان الإمبريالية في القرون الماضية، على قيام السكان المحليين بالكثير من القتال ومعظم الإدارة في المناطق التي تغزوها أو تسعى للسيطرة عليها بشكل غير مباشر. البريطانيون، على سبيل المثال، حكموا الهندَ، وهي أرضٌ يبلغ عدد سكانها 300 مليون نسمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع أقل من 2000 مسؤول بريطاني. تعاون عشراتُ الآلاف من الهنود مع البريطانيين للقيام بأعمال الإدارة والشرطة والقمع.

 ترى لماذا يضايقُ الهندي شعبه ويساعدُ الغزاةَ الأجانب؟ البعض فعلَ ذلك لأنه حصلَ على أموال. أراد آخرون السلطةَ ويمكنهم الحصولُ عليها بسهولة أكبرَ من خلال التعاون مع البريطانيين أكثرَ من التنافس السياسي أو العسكري المفتوح مع زملائهم الهنود. لقد اعتقدَ عددٌ قليل بالفعل، أو تمكنوا من إقناع أنفسهم، أن الهندَ كانت أفضلَ- في ظلّ الحكم البريطاني- من الأمراء الذين حكموا أجزاءً من شبه القارة المُجزأة قبل وصول الأوروبيين.

 بغضّ النظر عن دوافعهم، وبالنسبة للعديد من الهنود، كان مزيجاً من الجشع والطموح والمثالية، في الأساس، افترض جميعُ المتعاونين أنّ البريطانيين كانوا في الهند للبقاء وأنه لا يوجد طريقٌ بديل لأنفسهم أو للهنود ككل إلى السلطة، الثروة، أو النفوذ. وينطبق الشيءُ نفسه على أولئك الذين تعاونوا مع البريطانيين في مستعمراتٍ أخرى أو مع الإمبرياليين الفرنسيين والأوروبيين الآخرين في مستعمراتهم، أو مع الولايات المتحدة في القرن العشرين في معظم دول أمريكا اللاتينية وفي كوريا الجنوبية وفيتنام.

 تباينَ مزيجُ الجشع والمثالية مع مرور الوقت وبين المستعمرات. كان المثاليون أكثرَ شيوعاً عندما حاولتِ القوةُ الإمبريالية في الواقع إقامةَ الديمقراطية (مهما كانت محدودة) وتعزيزَ التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي، فإن مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية والسياسيين والإداريين في روجافا صادقةٌ ومثاليةٌ بشكل غير عادي. ومع ذلك، فإن خيانةَ ترامب ترسل رسالةً واضحة إلى السكان المحليين في البلدان التي ستغزوها الولاياتُ المتحدة أو تحاول التأثيرَ عليها في المستقبل. الرسالة هي: لا يمكنك افتراضُ أن الولاياتِ المتحدة ستبقى لمساعدتك. إذا حاولتَ بناءَ حكومةٍ ديمقراطية وتطوير أرضك وشعبك، فإن أيَّ وعودٍ قدمتها إدارةٌ أمريكية واحدةٌ يمكن التراجع عنها في المرة القادمة. إذا تمكّن الناخبون الأمريكيون من انتخاب ترامب، فيمكنهم على الأرجح انتخابُ رئيسٍ استبدادي فاسد في المستقبل. وبالتالي، فإن أيَّ تعهدٍ من الولايات المتحدة بحماية ومساعدة الحلفاء المثاليين لن يدومَ طويلاً بما يكفي لإنشاء حكومةٍ تنمويةٍ ديمقراطية مستقرة.

 وأيضاً، تُرى ما هي أنواعُ السكان المحليين الذين سيتحالفون مع حكومةٍ أمريكيةٍ غيرِ موثوق بها، وفي بعض الأحيان علنية وفاسدة؟  حتماً ليس المثاليون. فقط أولئك الذين يحفزهم الجشعُ، أو المقاتلون الذين يصبحون جنوداً لأنهم يستمتعون بالفعل بالقتل، سوف يتحالفون مع الولايات المتحدة في ظلّ هذه الظروف. وبالتالي، في المستقبل، لن تجذبَ الولاياتُ المتحدة قواتِ دفاع ديمقراطيةً أخرى، مستعدةً للقتال والموت من أجل المثل العليا. بدلاً من ذلك، سيتعينُ على الولايات المتحدة الاعتمادُ على أولئك الذين يقاتلون من أجل المال، والذين ليسوا على استعداد للموت. وبقدر ما كان حلفاءُ أمريكا في أفغانستان أو فيتنام- في كثير من الأحيان جبناء وغالباً ما يكونون فاسدين وغير أكفاء- فإن الأشخاصَ المستعدين للانضمام إلى الولايات المتحدة بعد خيانة ترامب سيكونون أسوأ حتماً. لن يخاطروا بحياتهم، لأنهم لن يقاتلوا من أجل المُثل العليا. سوف يأخذون الأموالَ الأمريكية، ويسرقون ويقتلون شعبهم عندما يتمكنون من القيام بذلك دونَ المجازفة بحياتهم، ثم يختفون عندما يواجهون تحدياً.

لن يكون هؤلاء الحلفاءُ فعالين في مساعدة الولايات المتحدة على كسب الحروب أو إدارة الأراضي التي تريد السيطرةَ عليها. إن الضحيةَ النهائيةَ لتنازل ترامب لأردوغان والغزوِ التركي ستكون قدرةَ أمريكا على العمل كقوة إمبريالية.

ترجمة: أمنية زهران